15.3.08
حمار ابن حمار من لا يكتب- الشفاهية و الكتابية - عرض كتاب ح1
نبدا اليوم بعرض الكتاب اعلاه من سلسلة عالم المعرفة والتي يجدر بكل انسان غير غبي الاشتراك بها, وهي سلسلة كتب تصدر شهريا منذ عام 1978 من الكويت و حتى يومنا هذا و تتبنى كل شهر نشر كتاب مترجم او عربي الاصل باعداد كبيرة تصل الى 40 الف مما يجعل سعر الكتاب مضحك للغاية

إصدرات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب
وبعد هذا المقال سوف نبدا بمشروع عملاق لتحطيم الاهرامات التي صمدت الاف السنين بوجه التاريخ و سنعالج الابداع كاسرين كل القوالب و الزوايا و المربعات و منطلقين خارج اللاحدود, سيتم تحويل مقالات الابداع الى افلام من قبل جنود الخفاء
تنقسم اللغة و الفكر تبعا لها الى صنفين حسب كيفية انتقال المعلومات :
الشفاهية الاولية- المجتمعات التي تتواصل فيما بينها بالكلام المنطوق ولم تتصل ابدا باي نص مكتوب (قبيلة على جزيرة بالمحيط الهادي)
الكتابية- استخدام الكتابة و بعدها الطباعة للتواصل (المانيا بلد الاوراق)
الشفاهية الثانوية - المجتمعات التي تتواصل فيما بينها بالكلام المنطوق (الهاتف , المرناة , الاذاعات, الافلام) و ان كانت تعرف الكتابة
الثقافة الشفاهية سبقت زمنيا الكتابية فمع ان الانسان ظهر على مسرح العالم قبل 30 -50 الف عام فان اقدم نص مكتشف هو نص فرعوني عن الاحلام قبل 5 الاف عام . ومن بين 3000 لغة محكية بالعالم اليوم هناك فقط 78 منها مكتوبة
الفروق بين اللغة الكتابية و الشفاهية
الثروة اللغوية - بالكتابية اعلى , تحوي الثروة اللغوية الانجليزية 1.5 مليون كلمة ويمكننا تتبع تاريخ هذه الكلمات , اما الشفاهية فلا تملك سوى بضعة الاف كلمة
التعلم- بالشفاهية بالممارسة (تعلم الصيد) اما بالكتابية فبالدراسة
السبق- الشفاهية تسبق الكتابية فكل كتابية كانت بالاصل شفاهية مجردة , ولكن ليس كل شفاهية تتحول تلقائيا الى كتابية
الشفاهية قائمة على الرواسم (الكليشيهات) و تكرر الفكرة لتحفظ
الزوال - الشفاهية الاولية تزول مباشرة بعكس الكتابية و الشفاهية الثانوية
الذاكرة - انت تعرف ما يمكنك تذكره لذا فيتم التفكير بطرق القوالب الجاهزة كالامثال و الرواسم و الصور البلاغية المتعارضة او السجع »لك من مالك ما أنفقت ومن ثيابك ما أبليت ","ومن نظر في العواقب سلم من النوائب"ا
التذكر- له اهمية كبرى(حفظ القران و الحديث و الكتب و كل شيء الحافظ لا المبدع,مقابل ابداع الغرب
التراكم - الشفاهية تراكمية بمدى اقل بكثير من الكتابية و تتعرض للتحوير و التحريف , تقرير الرسالة تراكم الافكار
التعقيد -
التفكير - ما دام الشفاهي لا يستطيع تذكر ما يستنتجه فانه يفكر ما يمكن تذكره
ترابط الجمل- يميل الشفاهي الى عطف الجمل بدلا من تراكبها
مثال :في طبعة دواي Douay)١٦١٠ ) للكتاب المقدس المنتجة في ثقافة كانت لا تزال تحتفظ ببقايا شفاهية هائلة
»في البدء خلق الله السموات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن. وفصل بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهارا والظلمة دعاها ليلا. وكان مساء وكان صباح يوما واحدا .«
فهنا نرى تسع واوات ابتدائية.
اما في الكتاب المقدس الأمريكي الجديد( ١٩٧٠ )
»في البدء عندما خلق الله السموات والأرض كانت الأرض أرضا خرابا بلا هيئة وكان الظلام يغطي وجه الغمر في حين كانت الريح العاتية
ترف فوق المياه. حينئذ قال الله: »ليكن نور فكان نور. رأى الله كيف أن النور حسن بعد ذلك فصل الله النور من الظلمة. سمى الله النور »نهارا « وسمي الظلام »ليلا «. هكذا أتى المساء وتبعه الصباح-اليوم الأول
الشفاهية تراعي راحة المتكلم اما الكتابية فانها تعنى بتنظيم الخطاب و تحليله و تقسيمه
٢- الأسلوب التجميعي في مقابل التحليلي
ترتبط سمة التجميعية ارتباطا وثيقا بالاعتماد على الصيغ لتقوية الذاكرة فعناصر الفكر والتعبير الشفاهي لا تميل إلى أن تكون وحدات
منفردة بسيطة بل إلى أن تأتي على هيئة عناقيد من الوحدات كتلك العبارات المتوازية أو المتعارضة سواء كانت في جمل بسيطة أو مركبة أو كانت نعوتا ,»الجندي الشجاع « بدلا من »الجندي «; و »الأميرة الجميلة «بدلا من »الأميرة «; و »شجرة الجوز العاتية « بدلا من »شجرة الجوز «.
وتعد الرواسم المستخدمة في التشهير السياسي في كثير من الثقافات النامية ذات التكنولوجيا المنخفضة-مثل »عدو الشعب « و »تجار الحرب و الرأسماليون «-وهي شعارات تبدو لذوي الثقافة الكتابية الرفيعة شعاراتسخيفة تعد بقايا صيغية لعمليات الفكر الشفاهي. ومن الدلائل الكثيرة التي أخذت حدتها بالاضمحلال على وجود درجة عالية من البقايا الشفاهية في ثقافة الاتحاد السوفييتي (سابقا) الإصرار على الكلام هناك دائما عن »ثورة ٢٦ أكتوبر اﻟﻤﺠيدة «-والصيغة النعتية هنا ترسيخ إجباري للمعنى
(ليبيا فهد
٣- الأسلوب الإطنابي أو »الغزير
يتطلب الفكر نوعا ما من الاطراد. وتؤسس الكتابة في النص »خطَّاً « من الاطراد خارج العقل. وإذا كان تشتيت الانتباه يخلط أو يطمس من
العقل السياق الذي برزت منه المادة التي أقرؤها الآن فمن الممكن استعادة السياق بإرجاع البصر سريعا عبر النص على نحو انتقائي فالعقل
يركز طاقاته على التحرك إلى ألامام لأن ما يعبره يقع خافتا خارجه ويكون دائما متاحا أولا بأول على الصفحة المكتوبة. ويختلف الموقف في الخطابالشفاهي; فليس ثمة شيء تستدبره خارج العقل; لأن المنطوق الشفاهي يكون قد تلاشى بمجرد أن ينطق به. ومن ثم يكون على العقل أن يتحرك إلى ألامام بشكل أكثر بطئا محتفظا قريبا من بؤرة الانتباه بالكثير مما قد تناوله قبلا. ذلك أن الإطناب أي تكرار ما قد قيل للتو يجعل كلا من المتكلم والسامع على الخط نفسه بشكل مؤكد
)ا كان الإطناب gيز الفكر والتعبير الشفاهي فهو إذن في دلالته العميقة ألصق بالفكر والتعبير منه بالتفكير الخطي المشتت. ويعد هذا
النوع من التفكير أو الفكر والتعبير التحليليان بمثابة إبداع مصطنع قائم على تكنولوجية الكتابة. ويتطلب تقليل الإطناب بدرجة مؤثرة تكنولوجيا تقليص الوقت أي الكتابة التي تفرض نوعا من العناء على النفس من أجل منع سقوط التعبير في أكثر أ اطه طبيعية. وتستطيع النفس أن تصمد للعناء جزئيا لأن الكتابة اليدوية عملية بطيئة نوعا ما من الناحية العضلية حيث تستغرق في العادة نحو عشر سرعة الكلام الشفاهي
ومع الكتابة يكون العقل مدفوعا بالقوة إلى ط متباطئ من العمل على نحو منحه فرصة للتدخل في عملياته الإطنابية الأكثر طبيعية كما gنحه
والإطناب كذلك أمر محمود في الظروف العادية للتعبير الشفاهي أمام جمهور كبير حيث يبرز الإطناب في الحقيقة أكثر مما يبرز في معظم
المحادثات وجها لوجه. فليس في إمكان كل فرد في الجمهور الكبير فهم كل كلمة يتفوه بها المتكلم وهو أمر قد يحدثه سوء المكان من حيث القدرة على توصيل الصوت. ومن صالح المتكلم أن يقول الشيء نفسه أو ما يعادله مرتين أو ثلاثا.
و مما يشجع كذلك على الإطناب حاجة خطيب المحافل إلى الاستمرارفي خطبته وهو يدير في عقله ما سوف يقوله في اللحظة التالية. ذلك أن
التردد في الإلقاء الشفاهي يكون علامة على القصور ومن هنا كانت إعادة الشيء بشكل فني إذا أمكن أفضل من التوقف عن الكلام جريا وراء الفكرة التالية. والثقافات الشفاهية تشجع الذلاقة والمبالغة وطلاقة اللسان. وقد دعا البلاغيون هذه السمات غزارة
Copia وظلوا يشجعونها دون وعي منهم حتى حولوا البلاغة من فن للخطابة إلى فن للكتابة
٤- الأسلوب المحافظ أو التقليدي
أن المعرفة المحولة إلى مفاهيم في الثقافة الشفاهية الأولية سرعان ما تتعرض للتلاشي إذا لم تتكرر جهرا على مسمع من الناس فإن اﻟﻤﺠتمعات
الشفاهية تحتاج إلى توظيف طاقة عظيمة في قول ما قد حصلته من معرفة بشقة على مر الأجيال وفي إعادة قوله. وهذه الحاجة تؤسس حالة
عقلية تقليدية أو محافظة جدا على نحو يحول منطقيا دون التجريب الذهني. والمعرفة صعبة المنال وثمينة; واﻟﻤﺠتمع يقدر تقديرا عاليا حكماءهم الكبار من الرجال والنساء الذين يناط بهم حفظها; والذين يستطيعون أن يحكوا قصص الأيام الخوالي. أما الكتابة والطباعة بشكل خاص فإنها بتخزينها المعرفة خارج الذهن تحط من شأن أولئك الحكماء الكبار من الرجال والنساء الذين يعيدون صوت الماضي وتعلي من شأن الشباب الذين يكتشفون الأمور الجديدة.
لكن النص الذي يأخذ على عاتقه بعض الوظائف التقليدية يحرر الذهن من المهمات المحافظة أي من مهمة الحفظ وبذا يمكن الذهن من التحول إلى أفكار جديدة. والواقع أن البقايا الشفاهية في أي ثقافة كتابية يمكن قياسها إلى حد ما من العبء التذكري الذي تثقل الذهن به أي من كمية الحفظ الذي تتطلبه نظمها التعليمية
ولا تكمن أصالة السرد في تأليف قصص جديدة بل في القدرة على التفاعل مع جمهور بعينه في وقت بعينه- حيث ينبغي في كل مرة أن تقدم القصة بشكل متفرد في موقف متفرد. ذلك أنه في الثقافات الشفاهية يجب حفز الجمهور للاستجابة بحماسة عالية. بل قد يدخل القصاص كذلك عناصر جديدة إلى القصص القديمة
٦- لهجة اﻟﻤﺨاصمة
التجريد و التجسيد .التعامل مع الافكار لا الاشخاص, الشتائم
ذلك أنه لما كان التواصل اللفظي لابد أن يتم بالمشافهة المباشرة بما يتضمنه ذلك من ديناميات الصوت في عملية الأخذ والرد فإن العلاقة فيما بين الأشخاص تحتفظ بدرجة عالية من التجاذب ودرجة أعلى من المنازعة. أما الجانب الآخر من التهاجي أو الإفحاش في الكلام في الثقافات
الشفاهية أو التي لا تزال فيها آثار للشفاهية فهو المدح المفرط الذي يرتبط بالشفاهية في كل مكان وهذا أمر معروف جيدا في قصائد المدح
الشفاهية
ويبدو المدح المذموم في التقاليد البلاغية القديمة المتخلفة من الشفاهية للمنتمين إلى ثقافة كتابية عالية مدحا غير مخلص منفوخا دعيّا بشكل مضحك. لكن هذا المدح في العالم الشفاهي يناسب العالم الشفاهي المستقطب ما بين الخير والشر والفضيلة والرذيلة والأشرار والأبطال
٧- الميل إلى المشاركة الوجدانية في مقابل الحياد الموضوعي
يعني فعل التعلم أو التعرف في نظر الثقافة الشفاهية إنجاز انتماء حميم ومشاركة وجدانية وجماعية مع المعروف; أي احتواءه . أما الكتابة فتفصل بين العارف والمعروف وتبني شروطا ل»الموضوعية « بمعنى عدم الارتباط الشخصي أو الابتعاد
"المشكلة الهوميرية
وصف اﻟﻤﺠتمعات الشفاهية بالمقارنة مع اﻟﻤﺠتمعات الكتابية بأنها متوازنة . وهذا يعني أن اﻟﻤﺠتمعات الشفاهية تعيش إلى حد كبير جدا في الحاضر على نحو يحفظها في توازن أو اتزان من خلال التخلص من الذكريات التي لم يعد لها صلة بالحاضر.
توازن الثقافات
الشفاهية في حفظ سلاسل النسب. وقد اتضح في السنوات الأخيرة أن سلاسل النسب المستخدمة شفاهيا في فض النزاعات في المحاكم بين
شعب التيف في نيجيريا تختلف بشكل واضح عن تلك المسجلة كتابة على أيدي البريطانيين قبل أربعين عاما (وهي سلاسل سجلت بسبب أهميتها حينئذ في فض منازعات المحاكم كذلك). وقد زعم أبناء شعب التيف المتأخرون أنهم كانوا يستخدمون سلاسل النسب نفسها على مدى الأربين عاما السابقة وأن السلاسل المكتوبة في تلك الحقبة خاطئة. وما حدث هو أن سلاسل النسب الأخيرة كانت قد عدلت لتتلاءم والعلاقات الاجتماعية المتغيرة بين التيف. وإذن كانت سلاسل النسب هي هي من حيث إن الوظيفة التي أدتها كانت هي هي تنظيم العالم الواقعي.
أي أن ماصدق في الماضي يخضع لما يصدق في الحاضر
»فقد الذاكرة البنيوي « بين شعب الكونجا في غانا.
إذ تبين السجلات البريطانية المكتوبة في مطلع القرن العشرين أن التقاليد الكونجية الشفاهية كانت تصور حينئذ نديوورا جاكب مؤسس دولة الكونجا على أنه كان له سبعة أولاد كان كل واحد منهم حاكما على إقليم من الأقاليم السبعة للدولة. وعندما سجلت أساطير الدولة مرة أخرى بعد ستين عاما كان إقليمان من الأقاليم السبعة قد اختفيا واحد بدمجه في آخر وواحد بسبب تغيير في الحدود. وهنا أصبح لنديوورا جاكبا في الأساطير الأخيرة خمسة أولاد دون ذكر للإقليمين المنقرضين. لقد كان أبناء شعب الكونجا لا يزالون على صلة مع ماضيهم قادرين على تذكر هذه الصلة في أساطيرهم; غير أن جزء الماضي الذي لم تعد له صلة وثيقة مباشرة بالحاضر أسقط من الحسبان.
وما تعنيه هذه الأمثلة لسلاسل النسب الشفاهية هنا يستحق الوقوف عليه. فالجريوت Griotلم في أفريقيا الغربية أو أي نساب آخر سوف يحفظ تلك السلاسل التي يستمع لها جمهوره. وإذا كان يعرف سلاسل للنسب لم تعد هناك حاجة إليها فسوف يسقطها من قوائمه لتختفي في النهاية. ولا شك أن الاحتمال الأكبر هو أن تعيش سلاسل نسب المنتصرين سياسيا أطول من تلك الخاصة بالمنهزمين. ويلاحظ هنيج في تقاريره عن قوائم ملوك غندا Ganda وميورو Myoro أن »الطريقة الشفاهية تسمح للأجزاء غير المريحة من الماضي بأن تنسى بسبب »مقتضيات الحاضر المستمر «. كذلك ينوع الرواة الشفاهيون المهرة عن عمد في سردهم التقليدي; لأن جزءا من مهارتهم يتمثل في قدرتهم على التلاؤم مع المتلقين الجدد والمواقف الجديدة أو في قدرتهم على التلاعب.
٩- موقفية أكثر منها تجريدية
تميل الثقافات الشفاهية إلى استخدام المفاهيم في أطر موقفية وإجرائية تعتمد على مرجعية ذات درجة ضئيلة من التجريد بمعنى أنها تظل قريبة من عالم الحياة الإنسانية المعيش
وقد توصلت آن أموري باري إلى النقطة نفسها تقريبا عن النعت Amymon الذي أطلقه هوميروس على إيجاستوس. فهذا النعت لا يعني »لا لوم عليه « وهو معنى مجرد تجريدا دقيقا على يد الكتابيين الذين ترجموا المصطلح ولكنه يعني "جميل على النحو الذي يكونه المحارب وهو يستعد للقتال"
ميز أفراد العينة الأميون (الشفاهيون) الأشكال الهندسية بأن نسبوا إليها أسماء أشياء وليس مجردات من مثل الدوائر والمربعات وغيرها. فسموا الدائرة طبقا أو منخلا أو دلوا أو ساعة أو قمرا والمربع سموه مرآة أو بابا أو بيتا أو لوحا لتجفيف المشمش. وهكذا ميز أفراد عينة لوريا الرسوم بوصفها تمثيلات لأشياء حقيقية كانوا يعرفونها فهم لم يسبق لهم أبدا أن تعاملوا مع دوائر أو مربعات مجردة ولكن مع أشياء مجسدة. ومن ناحية أخرى فإن طلاب مدرسة المعلمين من الذين تلقوا قدرا من التعليم ميزوا الأشكال الهندسية بأسماء هندسية تصنيفية الدوائر والمربعات والمثلثات وغيرها
قدمت لأفراد العينة رسومات لأربعة أشياء ثلاثة منها تنتمي إلى صنف بعينه والرابع إلى صنف آخر وسئلوا أن يجمعوا معا تلك الرسوم المتشابهة أو التي يمكن وضعها في مجموعة واحدة أو إدرجها تحت كلمة واحدة. وكانت إحدى اﻟﻤﺠموعات تتكون من رسوم لأشياء مثل: مطرقة ومنشار وزند الخشب وبليطة. أما أفراد العينة الأميون فلم ينظروا إلى اﻟﻤﺠموعة بشكل منتظم في عبارات تصنيفية (ثلاث أدوات وزند الخشب ليس بأداة) ولكن في عبارات خاصة بمواقف عملية (تفكير عياني)-دون الإشارة على الإطلاق إلى تصنيف اﻟﻤﺠموعة بوصفها »أدوات « فيما عدا زند الخشب. ولو كنت عاملا تستخدم أدوات ورأيت زند الخشب فسوف تفكر في استعمال الأداة معه لا في إبعاد الأداة عما صنعت من أجله وكل ذلك في لعبة ذهنية شاذة إلى حد ما. وقد قال أحد الفلاحين الأميين وكان عمره ٢٥ عاما عن هذه اﻟﻤﺠموعة: »إنها تبدو جميعا متشابهة. فالمنشار سوف يقطع زند الخشب والبليطة سوف تفتته إلى قطع صغيرة. ولو كان لي أن أنحي جانبا إحدى هذه الأدوات لنحيت البليطة فهي لا تقوم بوظيفتها كما يقوم بها المنشار . ولما أخبر أن المطرقة والمنشار والبليطة كلها أدوات فإنه لم يأبه للتصنيف وأصر على التفكير العياني: »صحيح ولكن حتى لو كان لدينا أدوات فنحن لا نزال في حاجة إلى خشب وإلا فلن
نستطيع أن نبني أي شيء «. ولما سئل عن رأيه في رفض شخص آخر أحد الأشياء في مجموعة أخرى من أربعة عناصر سبق أن شعر هو بأنها جميعا متسقة معا أجاب »لعل هذا النوع من التفكير يجري في دمه" .
الأميين لا يلجأون إلى عمليات التفكير الصوري القياسي على الإطلاق ولكن ذلك لا يعني أنهم لا يستطيعون أن يفكروا أو أن تفكيرهم لم يكن محكوما بالمنطق بل يعني أنهم رفضوا حشر تفكيرهم في الأشكال المنطقية الخالصة لأن هذه الأشكال بدت لهم غير مثيرة. ولماذا ينبغي أن تكون مثيرة? إن الأقيسة المنطقية تنتمي إلى الفكر ولكن في الأمور العملية لا أحد يتصرف بوساطة الأقيسة المنطقية التي صيغت صياغة صورية.
المعادن الثمينة لا تصدأ. الذهب معدن ثمين. هل يصدأ أم لا? تضمنت الإجابات التي تلقاها لوريا عن هذا التساؤل: »هل تصدأ المعادن الثمينة أم لا? هل يصدأ الذهب أم لا ? « (فلاح عمره ١٨ سنة) »المعدن الثمين يصدأ. الذهب الثمين يصدأ « (فلاح أمي عمره ٣٤ سنة) . في أقصى الشمال حيث يكثر الثلج كل الدببة بيضاء. نوفايا زمبلا تقع في أقصى الشمالي وهناك دائما ثلج. ما لون الدببة هناك?. هاك استجابة تقليدية »لا أعرف. لقد شاهدت دبا أسود. ولم يسبق لي أن شاهدت أي دببة أخرى.. فكل مكان فيه حيواناته الخاصة به . ذلك أن المرء يعرف لون الدببة بالنظر إليها. ومن ذا الذي سمع من قبل في الحياة العملية بمحاولة التعرف على لون الدب القطبي بالقياس العقلي? وكيف لي أن أعرف على نحو جازم أن كل الدببة بيضاء اللون في بلد يكثر فيه الثلج? وعندما طرح القياس المنطقي على رئيس مزرعة جماعية عمره٤5 سنة وتعليمه غاية في الضآلة استطاع أن يجيب عن السؤال قائلا »جريا على ما تقول ينبغي أن تكون جميعا بيضاء
واجه أفراد عينة لوريا الأميون صعوبة في القيام بنقد ذاتي واضح. فالنقد الذاتي يتطلب قدرا معينا من تفكيك الموقف. إنه يدعو إلى عزل النفس النفس التي يدور حولها العالم المعيش كله بالنسبة لكل فرد كما يدعو إلى إزالة مركز كل موقف (آخر) من ذلك الموقف بدرجة تسمح للمركز
أي النفس بأن يفحص ويوصف. ولم يضع لوريا أسئلته إلا بعد حديث مطول عن خصائص الناس واختلافاتهم الفردية . سئل رجل عمره ٣٨ سنة من معسكر رعي جبلي أي نوع من الناس أنت? كيف هي شخصيتك? ما صفاتك الحميدة وما عيوبك? كيف تصف نفسك? « فقال: »لقد أتيت إلى هنا من أش-كرجان. كنت فقيرا معدما
والآن أنا متزوج ولي أولاد » .« وهل أنت راض عن نفسك أو أنك تود أن تكون مختلفا? : »لو كان لدي قطعة أرض أكبر قليلا لأزرع فيها بعض القمح لكان الأمر أفضل «. وهنا نجد أن الأمور الخارجية تتطلب الاهتمام. أما
الإجابة عن سؤال: »وما عيوبك? « فكانت: »هذه السنة زرعت بودا (وزن روسي يساوي ٣٦ رطلا تقريبا) من القمح ونحن بالتدريج نتدارك العيوب .« وهذه إشارة إلى مواقف خارجية إضافية. وأضاف: »الناس يختلفون-فيهم
الهادىء وفيهم حاد المزاج وبعضهم ذاكرته ضعيفة أحيانا »أما عن سؤالكم: »ماذا ترى في نفسك? « (فأقول لكم:) »سلوكنا طيب-فلو كنا أناسا سيئا لما احترمنا أحد . إن التقييم الذاتي مفرغ في تقييم جماعي.
والأشخاص الذين استوعبوا الكتابة لا يكتبون فقط بل يتكلمون بالطريقة الكتابية بمعنى انهم ينظمون بدرجات متفاوتة تعبيرهم الشفاهي في أنماط فكرية ولغوية لم تكن لتتأتى لهم لو لم يكونوا ممارسين للكتابة. و بما أن
النظام الشفاهي للفكر لا يتبع هذه الأنماط فإن الكتابيين ينظرون إليه بوصفه نظاما ساذجا.
كذلك لا ينبغي أن نتخيل أن الفكر المؤسس شفاهيا فكر »سابق للمنطق « أو »غير منطقي « بأي معنى تبسيطي-كأن نظن أن الشفاهيين لا يفهمون العلاقات السببية فهم يعرفون أنك إذا دفعت بشدة شيئا متحركا فإن الدفعة تسبب حركة هذا الشيء. أما الذي لا يعرفونه حقا فهو أنهم لا يستطيعون أن ينظموا تسلسلات دقيقة من الأسباب بالطريقة التحليلية المتتابعة خطيا التي لا يمكن إنشاؤها إلا بمساعدة النصوص. أما السلاسل التي ينتجونها مثل سلاسل الأنساب فليست تحليلية بل تجميعية
اعتبر افلاطون الكتابة طريقة الية و لا انسانية لاكتشاف المعرفة بل انها لا تجيب عن سؤال و لا تحفظ ذاكرة
الدور العقلي للشخصيات البطولية »الثقيلة « والعجيبة
ولكي تضمن الشخصيات البطولية أهميتها وقابليتها للذكر فإنها تميل إلى أن تكون شخصيات نمطية
مثل: نستور الحكيم أخيل الهائج أوديسيوس الماهر مويندو كامل الكفاءة ووصفه الشائع: »الصغير السائر لحظة ولادته « ولا يزال يفرض الاقتصاد في الجهد العقلي أو التذكري نفسه حيثما وجدت الأجواء الشفاهية في
الثقافات الكتابية على نحو ما في حكاية القصص الخرافية للأطفال: مثل قصة الصغيرة ذات القلنسوة الحمراء بكل براءتها المذهلة والذئب الشرير الذي لا حدود لشره ونبتة الفاصوليا فائقة الطول التي يتحتم على جاك أن
يتسلقها ذلك أن الشخصيات اللا إنسانية تكتسب أبعادا بطولية هي الأخرى. وتضيف الشخصيات العجيبة هنا معينا آخر للذاكرة: فمن السهل تذكر السيكلوبس أكثر من تذكر وحش ذي عين واحدة
ومجموعات العدد القائمة على الصيغة هي كذلك معينة على التذكر: السبعة والنساء الثلاث والأقدار الثلاثة
ولما كانت الكتابة وفي النهاية الطباعة تغير من البنيات العقلية الشفاهية القديمة فقد قل اعتماد السرد القصصي شيئا فشيئا على الشخصيات »الثقيلة « حتى أمكنه أن يتحرك في يسر بعد ثلاثة قرون من الطباعة في عالم الحياة الإنسانية العادي المألوف في الرواية. وهنا نلتقي في النهاية بالبطل الضد في مكان البطل والبطل الضد هذا ينكص على عقبيه ويهرب بدلا من أن يواجه الخصم ببسالة
أما الشخصية البطولية الرائعة فقد أدت وظيفة بعينهما من أجل تنظيم المعرفة في العالم الشفاهي. ولا يحتاجها المرء-مع التحكم في المعلومات والذاكرة التي أنتجتها الكتابة
ولم يحدث أن أخذ البشر-عندما كانوا يفكرون بالكون أو الدنيا أو »العالم-في التفكير أساسا في شيء مبسوط
أمام عيونهم كما في الأطالس الحديثة أو في سطح أو مجموعة من الأسطح جاهزة للاكتشاف (فالرؤية تظهر الأسطح للعيان) إلا بعد انتشار الطباعة وتزايد الخبرة بالخرائط التي جعلتها الطباعة ممكنة. ولم يعرف العالم القديم الكثير من »المكتشف « برغم أنه عرف بالتأكيد كثيرا من الجوال والرحالة والمسافرين والمغامرين والحجاج. ومن الواضح أن معظم خصائص الفكر والتعبير القائمين على أساس الشفاهية وهي الخصائص التي ناقشناها من قبل في هذا الفصل ترتبط ارتباطا حميما بالنظام الصوتي الذي يدركه البشر وهو نظام يفضي إلى
التوحيد وإلى الاتجاه نحو المركز ونحو الداخل. والنظام اللغوي الذي يسود فيه الصوت يتفق مع الميول التجميعية (المساعدة على الائتلاف) أكثر من اتفاقه مع الميول التحليلية التجزيئية
وهو يتفق كذلك مع النظرة الكلية المحافظة (المتمثلة في الحاضر المستقر الذي يجب أن يحتفظ به سليما وفي التعبيرات القائمة على الصيغة التي يجب أن يحتفظ بها دون تغيير) ومع التفكير المواقفي (المرتبط بالنظرة الكلية أيضا حيث يكون الفعل الإنساني في المركز) أكثر من اتفاقه مع التفكير اﻟﻤﺠرد. كذلك يتفق مع تنظيم له صبغه إنسانية للمعرفة التي تدور حول أفعال الكائنات الإنسانية أو تلك التي تتعامل معاملة البشر أي مع الأشخاص الذين أصبحوا جزءا من دخيلة الناس أكثر من اتفاقه مع الأشياء اللاشخصية
لأن الشفاهية الأولية بقيت آثارها كما سوف نرى على مدى عدد من القرون بعد اختراع الكتابة بل حتى الطباعة نفسها. ولم يكن السيميائيون وهم أصحاب الدراية التامة بالكتابة يميلون إلى وقت متأخر هو بداية عصر النهضة
الأوروبية إلى وضع اسم مكتوب على البطاقات الخاصة بقنانيهم وصناديقهم بل كانوا يضعون عليها علامات أيقونية مثل العلامات اﻟﻤﺨتلفة في دائرة البروج وكذلك لم يكن أصحاب المحلات يميزون محلاتهم بكلمات ذات حروف ولكن برموز أيقونية مثل شجيرة اللبلاب رمزا للحانة والعمود الحلزوني الذي يضعه الحلاقون أمام محلاتهم والكرات الثلاث التي يدل بها المرتهنون على صنعتهم عن التمييز الأيقوني . وهذه الشارات أو العلامات المميزة لا تسمي ما تشير إليه على الإطلاق فعبارة »شجيرة اللبلاب « ليست هي »الحانة « وليست »العمود « هي »الحلاق
فمن دون الكتابة لا يستطيع العقل الكتابي أن يفكر على النحو الذي يفعله ليس فقط عندما يمارس الكتابة بل حتى في حالة إنشائه أفكاره في شكل شفاهي. لقد غيرت الكتابة شكل الوعي الإنساني أكثر من أي اختراع آخر.
إن الكتابة تخلق ما سماه بعض الباحثين لغة »طليقة من السياق « أو الخطاب »المستقل ; وهو خطاب لا يمكن مساءلته أو معارضته على نحو ما يحدث في الخطاب الشفاهي; ذلك لأن الخطاب المكتوب منفصل عن مؤلفه.
وقد يمكن تحدي المؤلف لو أمكن الوصول إليه ولكن المؤلف لا يمكن الوصول إليه في أي كتاب: فليس ثمة طريقة مباشرة لدحض نص; فحتى بعد التفنيد الكلي والمدمر لأفكار الكتاب يظل النص يقول ما قاله من قبل Sاما. وهذا أحد الأسباب لشيوع عبارة »الكتاب يقول « بمعنى أن القول صحيح. وهو أيضا أحد الأسباب التي من أجلها أحرقت الكتب. والنص الذي يقول ما يعرف العالم كله أنه باطل سيظل يقول هذا البطلان إلى الأبد ما بقي النص.
فالنصوص عصية بطبيعتها.
أفلاطون والكتابة والحواسيب ينزعج كثيرون ويدهش معظم الناس حين يعلمون أن الاعتراضات المثارة اليوم ضد الحواسيب هي في جوهرها الاعتراضات نفسها التي أثارها من قبل أفلاطون في فيدروس وفي الرسالة السابعة ضد الكتابة; إذ قال أفلاطون على لسان سقراط في فيدروس إن الكتابة غير إنسانية تدعي أنها تؤسس خارج العقل ما لا يمكن في الواقع أن يكون إلا داخله. ذلك أن الكتابة شيء; نتاج مصنوع. والشيء نفسه يقال بطبيعة الحال عنالحواسيب.
ثانيا: يذهب سقراط الذي يتحدث أفلاطون من خلاله إلى أن الكتابة تدمر الذاكرة فأولئك الذين يستخدمونها سوف يصبحون كثيري النسيان يعتمدون على مصدر خارجيلما يفتقدونه في المصادر الداخلية. أي أن الكتابة تضعف العقل. واليوم يخشى الآباء وغيرهم من أن حاسبات الجيب تزود التلاميذ بمصدر خارجيلما ينبغي أن يكون مصدرا داخليا لجداول الضرب المحفوظة أي أن الحاسبات تضعف العقل وترفع عنه عبء العمل الذي يحافظ على قوته.
ثالثا: إن النص المكتوب لا يستجيب للسائلين. فإذا سألت شخصا أن يشرح ما قاله أو قالته فسوف تحصل على شرح; أما إذا استجوبت نصا فلن تحصل على شيء فيما عدا الكلمات نفسها الغبية غالبا التي استوجبت سؤالك في المقام الأول. وفي الانتقاد الحديث الموجه للحاسوب يشيع الاعتراض نفسه: »قمامة تدخل وقمامة تخرج «.
رابعا: يتهم سقراط متماشيا مع العقلية الخصامية للثقافات الشفاهية الكتابة كذلك بأنها لا يمكن أن تدافع عن نفسها على نحو ما يمكن للكلمة المنطوقة; فالكلام والفكر الحقيقيان يوجدان دائما في الأساس في سياق من الأخذ والعطاء بين أشخاص حقيقيين. أما الكتابة فسلبية خارجة عن هذا السياق تحيا في عالم غير حقيقي أو غير طبيعي. وهذاينطبق على الحواسيب أيضا.والطباعة عرضة لهذه الاتهامات نفسها من باب أولى. ذلك لأن أولئك
الذين انزعجوا من شكوك أفلاطون حول الكتابة سوف يزداد انزعاجهم عندما يكتشفون أن الطباعة أثارت شكوكا مشابهة في أول أمرها. فحتى هيرونيمو سكوارشيافيكو الذي شجع في الحقيقة على طبع الأعمال اللاتينية الكلاسيكية ذهب في سنة ١٤٧٧ إلى أن وجود »وفرة من الكتب يجعل الناس أقل اجتهادا « : فهذه الكتب تحطم الذاكرة وتوهن العقل إذ تعفيه من العمل اﻟﻤﺠهد (هاهنا نجد الشكوى من حاسبات الجيب مرة أخرى) وتحط من قيمة الرجل الحكيم والمرأة العاقلة لصالح الكتب اﻟﻤﺨتصرة التي يمكن حملها في الجيب. وبطبيعة الحال نظر آخرون إلى الطباعة بوصفها وسيلة ينبغي الترحيب بها لإزالة الفروق بين البشر: إذ يصبح كل البشر حكماء.
وقد كانت إحدى نقاط الضعف في موقف أفلاطون أنه سجل اعتراضاته كتابة لكي يجعلها فعالة تماما مثلما أن إحدى نقاط ضعف الموقف ضد الطباعة هي أن أصحاب هذا الموقف طبعوا اعتراضاتهم طباعة ليزيدوا من فاعليتها. ويتمثل الشيء نفسه في المواقف المضادة للحاسوب حيث يقوم أصحابها لجعلها فعالة بالتعبير عنها في مقالات أو كتب مطبوعة من شرائط موصولة بشبكات حاسوب.
ومن هنا فإن فكر أفلاطون الفلسفي التحليلي وضمنه نقده للكتابة لم يكن ممكنا كما رأى بعض الباحثين إلا
نتيجة للتأثيرات التي كانت الكتابة قد بدأت Sارسها على العمليات العقلية.
لكن أول خط أو كتابة حقيقية نعرفها تطورت بين السومريين في بلاد ما بين النهرين ولم يحدث ذلك إلا
حوالي عام ٢٥٠٠ قبل الميلاد
وكانت الكائنات البشرية قبل ذلك بما لا يحصى من آلاف السنين ترسم صورا. وقد استخدمت مجتمعات متنوعة وسائل مختلفة للتسجيل أو رسائل مساعدة للذاكرة: كالعصا المحززة: وخطوط الحصى وغيرها من الوسائل
الحسابية مثل ذات العقد عند الإنكا (وهي عصا متصلة بحبال معلقة تعقد بها حبال أخرى)
غير أن الخط أكثر من مجرد وسيلة معينة للذاكرة وحتى عندما يكون الخط تصويريا فهو أكثر من أن يكون صورا. فالصور
تمثل الأشياء. وصورة رجل وبيت وشجرة لا تقول بذاتها شيئا. فلا يتكون الخط بمعنى الكتابة الحقيقية من مجرد صور أي تمثيل لأشياء بل هو تمثيل لقول أي لكلمات يقولها شخص ما أو يتخيل أنه يقولها.
ومن الممكن بطبيعة الحال النظر إلى أي علامة سيميوطيقية بوصفها علامة بصرية أو محسوسة يصنعها فرد ما و يمنحها معنى بصفتها »كتابة .« وهكذا يكون خدش بسيط على صخرة أو حز على عصا لا يستطيع تفسيره. إلا صانعه »كتابة «. لكن إذا كان هذا هو ما نعنيه بالكتابة فر بما كانت الكتابة قد يمة قدم الكلام نفسه. ومع ذلك فإن أبحاث الكتابة التي تنظر إلى »الكتابة « باعتبارها أية علامة مرئية أو محسوسة لها معنى خاص بها تضمها إلى السلوك البيولوجي الخالص. فمتى يصبح أثر قدم أو كمية من غائط أو بول (وهذه مستخدمة من قبل أجناس من الحيوانات وسيلة للتواصل-كتابة «?
أما الاكتشاف الحاسم الفريد الذي قادنا إلى عوالم جديدة من المعرفة فقد داخل الوعي الإنساني لا عندما نشأت
العلامة السيميوطيقية البسيطة بل عندما اخترع نظام شفري من العلامات
البصرية التي يستطيع الكاتب بوساطتها أن يقرر الكلمات الدقيقة التي
سوف يولدها القارئ من النص. وهذا هو ما نعنيه عادة اليوم بالكتابة في معناها الدقيق. وبهذا المعنى الكامل للكتابة أو الخط تحتضن العلامات البصرية الشفرية الكلمات احتضانا كاملا بحيث يمكن للبنيات شديدة التعقيد والإشارات التي أمكن تطويرها من خلال الصوت أن تسجل تسجيلا مرئيا دقيقا بكل ما فيها من تعقيد كما يمكنها لأنها مسجلة تسجيلا مرئيا
و يمكن لأنظمة الكتابة الحقيقية أن تتطور تدريجيا وعادة ما تتطور بدءا من الاستخدام البدائي لمساعدات الذاكرة. وتوجد كذلك مراحل متوسطة; ففي بعض الأنظمة الشفرية لا يمكن للكاتب أن يتنبأ إلا على نحو تقريبي بما سوف يستخلصه القارئ على نحو ما نجد في النظام الذي طورته قبائل الفاي في ليبيريا أو حتى في الهيروغليفية
المصرية القديمة. أما أكثر النظم إحكاما فهو ما تحققه الأبجدية برغم أن هذا النظام نفسه ليس كاملا تماما في كل حالة. فلو علمت على وثيقة ما بكلمة »حقق « فهذا يمكن أن يكون فعلا مبنيا للمجهول (حقق) مشيرا إلى أني قرأت الوثيقة وحققتها أو يمكن أن يكون فعل أمر (حقق) مشيرا إلى أني في حاجة إلى تحقيقها. وهكذا نحتاج أحيانا حتى مع الأبجدية إلى سياق غير النص ولكن هذا لا يحدث إلا في حالات استثنائية.
خطوط كثيرة لكن أبجدية واحدة فقط
تطورت خطوط كثيرة في كل أنحاء العالم كل منها بشكل مستقل عن الآخر: الخط المسماري في بلاد ما بين النهرين حوالي سنة ٣٥٠٠ ق. م والهيروغليفي المصري حوالي سنة ٢٠٠٠ ق. م (ربما مع بعض التأثير
من المسماري) المينوي أو المسيني المسمى Linear B>» حوالي سنة١٢٠٠ ق. م وخط وادي الإندس حوالي سنة ٣٠٠٠ – ٢٤٠٠ ق. م والخط الصيني حوالي سنة ١٥٠٠ ق. م والخط الماياني حوالي سنة ٥٠ ميلادية والخط الأزتكي حوالي سنة ١٤٠٠ ميلادي
والخطوط ذوات سوابق معقدة. ومعظمها إن لم يكن جميعها يعود مباشرة أو بشكل غير مباشر إلى نوع أو آخر من الكتابة بالصور أو ر بما في بعض الأحيان على مستوى أبسط حتى من ذلك إلى استخدام العلامات المميزة.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الخط المسماري في بلاد ما بين النهرين وهو أقدم كل الخطوط المعروفة (حوالي ٣٥٠٠ ق. م) قدنما جزئيا من نظام لتسجيل التعاملات الاقتصادية باستخدام أمارات مميزة من الطين موضوعة
في أوعية صغيرة جوفاء لكن مغلقة تماما مثل قرون البازلاء أو الحقوق
مع علامات على الخارج تمثل الأمارات التي في الداخل

