14.3.08

حمار ابن حمار من لا يكتب- الشفاهية و الكتابية - عرض كتاب ح2



وهكذا كان مع الرموز المرسومة خارج الحق-فلنقل سبع علامات- كان معها داخل الحق ما يدل على ما تمثله-لنقل سبعة أشكال طينية متميزة تمثل بقرات نعجات أو أشياء أخرى لم تحل شفرتها بعد-وكأن الكلمات كانت معروضة دائما مع مدلولاتها المادية الملحقة بها. و يمكن أن تساعد الخلفية الاقتصادية مثل هذا الاستخدام قبل الطباعي للأمارات على ربطها بالكتابة; لأن الخط المسماري الأول وهو من المنطقة نفسها التي جاءت منها الحقوق أو العلب كان يستخدم في مهم الأحيان مهما تكن سوابقه الدقيقة ليؤدي أغراضا اقتصادية وإدارية يومية في اﻟﻤﺠتمعات الحضرية. فقد كان التحضر باعثا على تطوير حفظ السجلات. أما استخدام الكتابة في الإبداعات الخيالية على نحو ما استخدمت الكلمات المنطوقة في القصص أو القصائد الغنائية أي استخدام الكتابة لإنتاج الأدب بالمعنى الأخصلهذا المصطلح فيأتي متأخرا للغاية في تاريخ الخط

وتستطيع الصور أن تقوم بوظيفة التذكير أو قد يمكن تزويدها بشفرة تمكنها من أن تمثل بقدر متفاوت من الدقة كلمات بعينها ذات علاقات نحوية متنوعة. ولا تزال رموز الكتابة الصينية حتى اليوم مصنوعة أساسا من الصور لكن الصور منمطة ومنسقة بطرق معقدة تجعلها بالتأكيد أعقد نظم الكتابة التي عرفها العالم على الإطلاق. ولم تطور الاتصالات القائمة على الصور كتلك التي وجدت عند الهنود الحمر الأصليين الأوائل وكثيرين غيرهم خطا حقيقيا لأن الشفرة لم تثبت ثباتا كافيا.
ولقد استعملت تشكيلات الصور الممثلة لأشياء عدة للتذكير الرمزي للمجموعات التي كانت تتعامل مع موضوعات بعينها. وقد ساعدت هذه الموضوعات نفسها على تقرير كيفية ارتباط هذه الصور بعضها ببعض. لكن المعنى المقصود لم يظهر حتى في هذه الحالة بصورة واضحة ونهائية في كثير من الأحيان

أما خارج الكتابة التصويرية (حيث تمثل صورة الشجرة كلمة شجرة) فقد طورت الخطوط أنواعا أخرى من الرموز. وأحد هذه الأنواع هو الكتابة الإيديوجرافية التي لا يتمثل المعنى فيها بالصورة بل تحدده شفرة متفق عليها. فعلى سبيل المثال لا تمثل في الكتابة التصويرية الصينية صورة نمطية لشجرتين كلمة »شجرتان « لكنها تمثل كلمة »غابات «; أما الصورة النمطية لامرأة وطفل جنبا الى جنب فتمثل كلمة »جيد « وهكذا دواليك. أما الكلمة المنطوقة لامرأة فهي
Fny ولطفل dza¨

ويوجد نوع آخر من الكتابة التصويرية هو الكتابة بالكناية المصورة أي الريبص
Rebus (حيث يمكن لصورة باطن قدم أن تمثل في الإنجليزية كذلك السمكة المعروفة بسمك موسى تمole و تمole uعنى وحيد أو تمoul

تعنى الروح عندما تكون مقرونة بالجسد كما يمكن أن تمثل صور ثلاث لطاحونة Mill و pشى a walk ومفتاح بهذا الترتيب كلمة 9)Milwaukee ).
ولما كان الرمز في هذه الأمثلة يمثل الصوت بالدرجة الأولى فإن هذا الريبص يعد نوعا من الفونوغرام (الرمز-الصوتي) لكن من خلال واسطة فحسب; إذ لا يتحدد الصوت بعلامة شفرية مجردة كما في حروف الأبجدية لكن بصورة شيء من الأشياء المتعددة التي يشير إليها الصوت.
وتتطلب كل أنظمة الكتابة التصويرية حتى تلك التي تستعين بالإيديوغراف والريبص عددا هائلا من الرموز. وتعد الصينية أكبرها وأعقدها وأغناها إذ يورد معجم كانغسي للغة الصينية الذي ظهر عام ١٧١٦ ميلادية عددا من الرموز يبلغ ٫٥٤٥ ٤٠ رمزا. وهذه لا يعرفها ولم يحدث أن عرفها جميعا أحد من الصينيين أو من المتخصصين في الصينية. وقلة من الصينيين الذين يكتبون هم الذين يستطيعون أن يكتبوا كل الكلمات الصينية المنطوقة المفهومة لهم. ولكي يصبح المرء ملما بنظام الكتابة الصينية بصورة معقولة يحتاج عادة إلى حوالي عشرين سنة. وهذا الخط يحتاج بطبعه إلى وقت كثير ويصلح للخاصة

ولا شك في أن هذه الرموز سوف يستبدل بها الأبجدية الرومانية بمجرد أن يجيد الناس في جمهورية الصين الشعبية ( »لهجة «) اللغة الصينية نفسها أي لغة الماندرين
Mandarinالتي تعلم الآن في كل مكان. وسوف تكون الخسارة فيما يتصل بالأدب جسيمة لكنها لن تكون بجسامة الآلة الكاتبة الصينية التي تستخدم ما يربو على ٤٠٬٠٠٠ رمز.

لكن من ميزات نظام الكتابة التصويرية أن الأشخاص الذين يتكلمون »لهجات « صينية مختلفة-وهي في حقيقة الأمر لغات صينية مختلفة لا يفهم المتكلم بإحداها لغة الآخر. برغم كونها أساسا ذات بنية واحدة- يستطيعون أن يفهموا كتابة بعضهم البعض فهم يلفظون الرمز الواحد بأصوات مختلفة على غرار ما يفعل الفرنسي واللوبي) ومن الفيتنامي والإنجليزي عندما يقرأون الأرقام العربية ٬٣ ٬٢ ١ إلى آخره لكن أحدا
منهم لن يفهم الآخر إذا نطقها أي منهم. على أن الرموز الصينية أساسا صور برغم كونها منمطة تنميطا دقيقا جميلا بعكس ٫٣ ٫٢ ١.

وكثير من نظم الكتابة في الحقيقة خليط من مبدأين أو أكثر

وكان نظام الكتابة المصري الهيروغليفي القديم هجينا (فكانت بعض الرموز كتابة تصويرية وبعضها إيديوجراف تم وبعضها ريبص أي كنائية مصورة); ورموز الكتابة الصينية نفسها هجين (من الكتابة التصويرية والإيديوغراف والريبص وتجميعات متنوعة غالبا ذات تعقيد بالغ فيه غنى ثقافي وجمال شاعري). ونتيجة تميل الخطوط في الحقيقة إلى أن تبدأ بالكتابة التصويرية وتتجه نحو الإيديوجراف والريبص فلربما كانت معظم أنظمة الكتابة فيما عدا الأبجدية هجينا على نحو ما. وحتى الكتابة الأبجدية تصبح هجينا عندما تكتب الرقم ١ بدلا من كلمة واحد.
وتكمن أبرز حقيقة حول الأبجدية في أنها اخترعت. مرة واحدة فقط.

وقد تم ذلك تدريجيا على يد الساميين أو الشعوب السامية حول سنة ١٥٠٠ ق. م في المنطقة الجغرافية نفسها حيث ظهر أول الخطوط جميعا الخط المسماري ولكن ظهور الأبجدية كان بعد ألفي عام من ظهور الخط المسماري.
ويناقش درينجر الشكلين المتميزين للأبجدية الأصلية:السامية الشمالية والسامية الجنوبية. وبطريقة أو بأخرى تشتق كل أبجدية في العالم-مثل العبرية والأوجارتية واليونانية والرومانية والسيريلية والعربية والتاميلية والملايالامية والكورية-من التطور السامي الأصلي برغم أنه كما في الخط الأوجارتي والكوري قد لا يكون التشكيل الفيزيقي للحروف متصلا دائما بالتشكيل السامي.

أن الأبجدية الصوتية الكاملة تفضل نشاط النصف الأيسر في المخ أكثر من نظم الكتابة الأخرى وهكذا تعزز هذه الأبجدية الفكر التحليلي اﻟﻤﺠرد على أسس عصبية فسيولوجية.

والسمة الديمقراطية للأبجدية يمكن أن ترى في كوريا الجنوبية. ففي الكتب والصحف الكورية يكون النص خليطا من الكلمات التي تتبع التهجي الأبجدي مع مئات من الرموز الصينية. لكن اللافتات العامة لها تكتب بالحروف الأبجدية وحدها التي يمكن لكل فرد أن يقرأها إذ يتم إتقانها إتقانا كاملا في الصفوف الدنيا من المرحلة الابتدائية. في حين لا يتم إتقان ال ١٨٠٠ هان
han أو الرموز الصينية الضرورية في الحد الأدنى إلى جانب الأبجدية لقراءة معظم الأدب في اللغة الكورية قبل نهاية المدرسة الثانوية.
لقد حدث أكبر إنجاز مفرد في تاريخ الأبجدية في كوريا حيث أصدر الملك سيجونغ تم
ejonيم من أسرة يي Yi مرسوما في سنة ١٤٤٣ م يقضي بوجوب وضع أبجدية للغة الكورية. فحتى ذلك الوقت كانت اللغة الكورية
تكتب بالرموز الصينية فحسب التي تم تكييفها بمشقة لتناسب مفردات اللغة الكورية (وتتفاعل معها). واللغة الكورية ليس لها على الإطلاق علاقة باللغة الصينية (برغم اقتراضها كلمات كثيرة من اللغة الصينية تم تقريبا
صبغها بصبغة كورية إلى درجة استغلاقها على أي صيني). وقد كانت الآلاف المؤلفة من الكوريين-كل الكوريين الذين كانوا يستطيعون أن يكتبوا- قد أنفقت أجمل سنوات العمر لإجادة الخط المعقد الصيني-الكوري
Korean . ولم يكن من المحتمل أن يرحبوا بنظام جديد للكتابة يودي بمهاراتهم التي اكتسبوها بمشقة. لكن أسرة يي كانت قوية وينبئ صدور مرسوم سيجونغ في وجه المقاومة الشديدة المتوقعة بأن صاحبه كان من أولي العزم
ويتمتع بالدعم. وإذا كان توليف الأبجدية لتناسب لغة ما قد يأخذ بشكل عام سنوات أو أجيالا كثيرة وان جماعة سيجونغ من الباحثين انتهت من الأبجدية الكورية في ثلاث سنوات; وهو إنجاز غاية في الإتقان في ملاءمته
للأصوات الكورية ومشكل جماليا لكي ينتج خطا أبجديا له مظهر الكتابة الصينية. غير أن طريقة استقبال هذا الإنجاز الرائع كانت أمرا متوقعا; فلم تستخدم الأبجدية إلا لأغراض عملية مبتذلة غير علمية. واستمر الكتاب »الجادون « في استخدام الكتابة القائمة على الرمز الصيني التي دربوا عليها أنفسهم تدريبا شاقا. لقد كان الأدب الجاد أدب الصفوة وأراد أن يظل معروفا بهذه الصفة. ولم تحقق الأبجدية ما حققته من نفوذ إلا في القرن العشرين أي مع ازدياد الاتجاه الد يمقراطي في كوريا. علما بأن هذا النفوذ ما يزال ناقصا

وقد نظرت بعض اﻟﻤﺠتمعات التي عرفت قدرا محدودا من الكتابية إلى الكتابة بصفتها أمرا يشكل خطرا على القارئ قليل الحيطة وأنها تحتاج إلى شخص مثل الجورو أو المعلم الروحي ليتوسط بين القارئ والنص. ولذا يمكن حصر الكتابية في جماعات بعينها مثل رجال الكهنوت . وربما شعر المرء بأن للنصوص في ذاتها قيمة دينية: والأميون يتبركون بأن يمسحوا جباههم بالكتاب أو يديروا عجلات الصلاة التي تحمل نصوصا لا يستطيعون أن يقرؤوها . وقد اعتاد الرهبان في منطقة التبت الجلوس على ضفاف الجداول »وهم يطبعون صفحات من النصوص السحرية والصيغ على سطح الماء بواسطة قطع خشبية منقوشة


ويكتشف هافلوك في الثقافة
اليونانية القد يمة نمطا عاما من الكتابية المحدودة قابلا للتطبيق على ثقافات أخرى كثيرة: حيث تتطور »صنعة الكتابة « بعد أن يتعرف اﻟﻤﺠتمع الكتابةبمدة قصيرة. في هذه المرحلة تعد الكتابة صنعة يمارسها أصحاب المهن الذين يستأجرهم آخرون لكتابة خطاب أو وثيقة على نحو ما يستأجرون عامل بناء لبناء بيت أو نجار سفن لبناء قارب. وهكذا كان الأمر في ممالك أفريقيا الغربية مثل مالي منذ القرون الوسطى إلى القرن العشرين . وفي مرحلة »صنعة الكتابة «هذه لا يحتاج الفرد إلى أن يعرف القراءة والكتابة أكثر من حاجته لمعرفة أي مهنة أخرى. ولم يتم تجاوز هذه المرحلة في اليونان القد يمة إلا قريبا من زمن أفلاطون بعد أكثر من ثلاثة قرون من انتشار الكتابة بين السكان اليونان ودخولها في عمليات الفكر بشكل عام والبدء بالتأثير فيها.
وقد شجعت الخصائص المادية رواد الكتابة المبكرة على استمرار ثقافة الكتاب الذين يتخذون من الكتابة مهنة لهم . فبدلا من الورق المصنع بأسطح مستوية وأقلام الحبر الجاف طويلة العمر نسبيا كانت أدوات الكتابة لدى الكاتب المبكر أعسر للاستعمال. فلكي يحصل على أسطح للكتابة كان يستخدم قطعا من الطوب الطيني المبتل بالماء وجلود الحيوان (ورق البرشمان أو الرق) وقد تم تنظيفها من الشحم والشعر وكانت غالبا ما تنعم بحجر الخفاف وتبيض بالطباشير ويعاد إعدادها على نحو متكرر بكشط نص سابق عنها. أو كان يستخدم لحاء الأشجار وورق البردي (وهو أفضل من معظم سطوح الكتابة ولكنه خشن بالقياس بما تنتجه التقنية العالية) وأوراقا مجففة أو غيرها مما يستخرج من النبات ورقائق من الشمع ملصقة على ألواح خشبية كثيرا ما كانت توصل بعضها ببعض لتشكل لوحا مزدوجا ينطوي على نفسه (وكانت ألواح الكتابة المشمعة هذه تستخدم لكتابة الملاحظات وكان الشمع
ينعم مرة ثانية لاستعماله ثانية) والقضبان الخشبية وغير ذلك من الأسطح الخشبية والحجرية المتنوعة فلم تكن ثمة محلات لبيع القرطاسية تقع على زاوية الشارع ولم يكن ثمة ورق. وكانت أدوات الكتابة تضم أنواعا مختلفة من المراقم وريش الأوز الذي كان يشق طوليا ويسن مرة بعد مرة بما نسميه حتى اليوم »سكينة القلم «
والفراشي (خاصة في آسيا الشرقية) أو أدوات أخرى للنقش على الأسطح أو نشر الأحبار أو الألوان. وكانت الأحبار السائلة تخلط بطرق كثيرة وتعد للاستعمال في قرون بقرية مجوفة (قرون الحبر) أو في أوعية أخرى
مقاومة للحامض.

وكانت مواد الكتابة هذه تتطلب مهارات آلية خاصة للتعامل معها ولم يتوافر لدى كل »الكتاب « كل هذه المهارات المتطورة بشكل يتناسب والإنشاء المسهب. وقد جعل الورق الكتابة أسهل من الناحية المادية لكن الورق الذي كان يصنع في الصين منذ القرن الثاني ق. م والذي انتشر على يد العرب في الشرق الأوسط حوالي القرن الثامن من الفترة المسيحية لم يصنع لأولى مرة في أوروبا إلا في القرن الثاني عشر.

من الذاكرة إلى السجلات المكتوبة
قد يحدث ألا تقدر ثقافة ما الكتابة تقديرا عاليا حتى بعد أن تكون قد قطعت هي نفسها شوطا بعيدا في استخدام الكتابة. وعادة ما يفترض الشخص الكتابي في الوقت الحاضر أن السجلات المكتوبة ذات قوة تفوق قوة الكلمات المنطوقة للدلالة على الأمور التي مضى عليها تاريخ طويل وبخاصة في المحاكم. أما الثقافات المبكرة التي عرفت الكتابة ولكنها لم تستوعبها بشكل كامل فغالبا ما افترضت العكس تماما. وقد تفاوتت بلا شك درجة المصداقية المسبغة على السجلات المكتوبة من ثقافة إلى أخرى ومثال كلانشي الدقيق عن تاريخ استخدام الكتابة من أجل الأغراض الإدارية العملية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر في إنجلترا يقدم عينة مفيدة عن الحد الذي استطاعت الشفاهية أن تبلغه في استمراريتها في حضور الكتابة حتى في وسط إداري.
ويجد كلانشي في الحقبة التي يدرسها أن »الوثائق لم تكن توحي بالثقة فوريا « وكان لابد من إقناع الناس بأن
الكتابة قد حسنت طرق الحفظ الشفاهية القد يمة بدرجة تكفي لتبرير كل المصاريف والتبعات المرهقة التي تتطلبها. وعلى سبيل المثال كانت الشفاهية الجماعية قبل استخدام الوثائق شائعة الاستخدام لتحديد سن
ورثة الإقطاعيين. ولفض نزاع في عام ١١٢٧ حول ما إذا كانت رسوم الجمارك في ميناء ساندويتش يجب أن تذهب إلى دير أوغسطين في كانتربيري أو إلى كنيسة المسيح
اختيار هيئة محلفين تكونت من اثني عشر رجلا من دوفر واثني عشر من ساندويتش هم »رجال ناضجون حكماء لهم خبرة سنين طويلة مقبولو الشهادة «. ومن ثم أقسم كل محلف أنه كما »قد تلقيت من أسلافي وشاهدت وسمعت من شبابي


وهكذا كان الناس يفترضون بداية أن الشهود أكثر مصداقية من النصوص لأنه كان يمكن تحديهم كما كان يمكنهم أن يدافعوا عن شهادتهم في حين أن النصوص لا يمكنها ذلك (وكان هذا تحديدا كما بينا أحد اعتراضات
أفلاطون على الكتابة). وطرق التيقن من صحة الوثائق بأخذ على عاتقها مهمة ابتكار آليات التحقق من النصوص إلا أن هذه الطرق تظهر بأخرة في الثقافات الكتابية


وكانت الوثائق المكتوبة نفسها غالبا موثقة ليس كتابة بل من خلال أشياء رمزية (مثل سكين تربط بالوثيقة برباط من سير الجلد) . وفي الحقيقة كان يمكن للأشياء الرمزية وحدها أن تؤدي دورها بوصفها أدوات لنقل الملكية. ففي حوالي عام ١١٣٠ نقل توماس من موشامب مقاطعته في هيذرسلو إلى
الرهبان في درم عن طريق تقديمه سيفه على مذبح كنيسة. وحتى بعد ظهور كتاب. ١٠٨٦ -
Domeتمday book)١٠٨٥ ) (وهو سجل )سح أراضي إنجلترا أنجزه نواب وليم الأول في عام ١٠٨٦ ) وما صحبه من ازدياد في التوثيق الكتابي تبين قصة الإيرل وارين كيف أن الحالة العقلية الشفاهية القد يمة كانت لا تزال متسلطة ففي عهد الملك إدوارد الأول (حكم بين ١٢٧٢ و ١٣٠٦ ) لم يقدم الايرل وارين صاحب الدعوى للقضاة وثيقة تعطيه الحق بالتصرف في ما تحت يده من الأراضي بل »سيفا قد يما صدئا « قائلا إن أسلافه قد جاءوا مع وليم الغازي ليستولوا على إنجلترا بالسيف وأنه سوف يدافع عن أراضيه بالسيف. ويشير كلانشي إلى أن القصة مشكوك في صحتهالما فيها من بعض التعارضات لكنه يلاحظ كذلك أن تداولها بين الناس يبرهن على حالة
عقلية مبكرة ألفت تقدير قيمة الهدايا الرمزية في الشهادة.

بل لم تكن الوثائق المبكرة لنقل ملكية الأراضي في إنجلترا مؤرخة أصلا ; ويحتمل أن تتنوع أسباب ذلك. ويذهب كلانشي إلى أن أكثر الأسباب عمقا ربما تمثل في أن التاريخ كان يتطلب أن يذكر الكاتب رأيا في موقعه من الزمن وهذا كان يدعوه إلى أن يختار بداية مرجعية لكن أي بداية? أكان عليه أن يثبت هذه الوثيقة بالإشارة
إلى بداية خلق العالم? إلى صلب المسيح? إلى ميلاد المسيح? لقد كان البابوات يؤرخون الوثائق بهذه الطريقة من ميلاد المسيح. ولكن أكان من الوقاحة أن تؤرخ الوثيقة الدنيوية على نحو ما كان البابوات يؤرخون وثائقهم?;
في الثقافات عالية التكنولوجيا اليوم يعيش كل فرد كل يوم في إطار من الزمن اﻟﻤﺠرد المحوب تفرضه بقوة ملايين من التقاويم المطبوعة والساعات بأنواعها. أما في إنجلترا في القرن الثاني عشر فلم تكن ثمة ساعات يد أو
ساعات حائط أو تقاويم مكتب أو تقاويم حائط.
لم يكن الناس قبل أن تكون الكتابة مستوعبة استيعابا عميقا من خلال الطباعة يشعرون بأنهم يقعون في كل لحظة من حيواتهم في زمن محسوب من أي نوع. وأغلب الظن أن معظم الأشخاص في أوروبا الوسيطة أو حتى في أوروبا الغربية في عصر النهضة لم يكونوا يعلمون عادة في أي سنة يعيشون سواء أحسبت هذه من ميلاد المسيح أو أي بداية أخرى في الزمن.
و بماذا يعرفونها? وتشهد الحيرة الخاصة بأي بداية يبدأ منها الحساب على تفاهة الموضوع. ففي ثقافة بلا صحف أو مواد أخرى مؤرخة بشكل عام وقادرة على أن تمس الوعي ما عسى أن تكون الغاية لدى معظم الناس من معرفة السنة الشمسية الحالية? فالرقم التقويمي اﻟﻤﺠرد لن يرتبط بشيء في الحياة المعيشة. ولم يكن معظم الناس يعرفون بل هم لم يحاولوا أن يكتشفوا في أي سنة شمسية ولدوا.

كذلك كانت الوثائق بلا شك تعامل معاملة الهدايا الرمزية مثل السكاكين أو السيوف. وهذه كان يمكن التعرف عليها من خلال مظهرها

ولذلك يحتاج الأشخاص الذين تكونت رؤيتهم للعالم من خلال قدرة كتابية عالية إلى أن يذكروا أنفسهم بأنه في الثقافات التي تعتمد على الوظيفة الشفاهية لا يتم الشعور بالماضي من حيث هو حقل مجدول وضعت فيه كميات من »الحقائق « أو نتف من المعلومات التي يمكن إثباتها أو الجدل حولها. إنه حقل الأسلاف المصدر الفعال لتجديد الوعي بالوجود الحاضر الذي هو نفسه ليس كذلك حقلا مجدولا فالشفاهية لا تعرف القوائم ولا الأشكال أو الرسومات التخطيطية.
وقد درس جودي الدلالة العقلية للجداول والقوائم التي يعد التقويم واحدا منها دراسة تفصيلية. ذلك أن الكتابة تجعل هذه الوسائل ممكنة. وفي الحقيقة اخترعت الكتابةبمعنى ما وإلى حد كبير لتصنع شيئا مثل القوائم; فقد كان معظم الكتابة المبكرة التي نعرفها-أي التي نقشت في الخط المسماري عند السومريين بدءا من حوالي ٣٥٠٠ ق. م
يستخدم لحفظ الحسابات. وفي مقابل القوائم كان الشائع في الثقافات الشفاهية الأولية أن تلجأ إلى السرد كما في مسرد السفن والقباطنة في الإلياذة -وهو ليس سجلا موضوعيا بل عرض عملي في قصة عن الحرب. ونحن نجد في نص من نصوص التوراة التي دونت كتابة أشكال فكر لا تزال شفاهية بصورة أساسية نجد أن ما يقوم مقام الجغرافية (تأسيس علاقة مكان بآخر) يتخذ شكل سرد صياغي للأحداث

»ثم ارتحلوا من برية سيناء ونزلوا في قبروت هتأوة. ثم ارتحلوا من قبروت هتأوة ونزلوا في حضيروت. ثم ارتحلوا من حضيروت ونزلوا في رثمة.. « وهكذا في عدد كبير من السطور. بل إن سلاسل النسب المستمدة من هذه التقاليد الموضوعة شفاهيا تكون في الواقع سردا عاديا فبدلا من استظهار الأسماء نجد تواليا لتعبير »ولد « فلان فلانا وللروايات الخاصة بما فعلوه: وولد لحنوك عيراد. وعيراد ولد محويائيل ومحويائيل ولد متوشائيل. ومتوشائيل ولد لامك « (تكوين ٤: ١٨ ). وهذا الضرب من التجميع مستمد في جانب منه من الحافز الشفاهي إلى استخدام الصيغ وفي جانب آخر من الرغبة الشفاهية باستغلال التوازن (حيث ينتج تكرار صيغة الفعل الفاعل والمفعول توازنا يساعد على التذكر في حين يفشل مجرد توالي الأسماء في تحقيق ذلك) وفي جانب من الميل الشفاهي إلى الإسهاب (كل شخص مذكور مرت} بوصفه والدا ومولودا) وفي جانب من الميل الشفاهي إلى السرد بدلا من وضع العناصر جنبا إلى جنب فحسب فالأشخاص ليسوا مجردين من إمكان الحركة مثل صف من جنود الشرطة بل هم يفعلون شيئا-أي يتوالدون).
ومن الواضح أن هذه الفقرات المأخوذة عن الكتاب المقدس سجلات مكتوبة ولكنها تأتي من عقلية وتقليد شكلتهما الشفاهية. فهي لا تعطي الشعور بأنها كالأشياء بل بأنها تركيب جديد للأحداث في الزمن. فالتواليات المقدمة شفاهيا تكون دائما أحداثا في الزمن لا يمكن »فحصها « لأنها ليست مقدمة في صورة بصرية ولكنها أقوال مسموعة. وفي الثقافة الشفاهية الأولية أو الثقافة التي فيها بقايا شفاهية كثيف لا تكون حتى سلاسل النسب »قوائم « من المعلومات بل »ذكرى أغان تغنى «.


ولا يعد الاستخدام الواسع للقوائم وبخاصة للأشكال التخطيطية وهو الاستخدام المألوف في ثقافتنا التكنولوجية العالية نتيجة للكتابة وحسب بل هو نتاج للاستيعاب العميق للطباعة التي تسهل استخدام الأشكال التخطيطية الثابتة والمحتوية على كلمات واستخدامات إعلامية أخرى للفراغ المحايد تفوق أي شيء يمكن تصوره في أي ثقافة كتابية

بعض ديناميات النصية
فالكتابة تتمتع ب »مركزية الأنا « فأنا أكتب كتاباً آمل أن يقرأه مئات الآلاف من الناس ولذا يجب أن أكون معزولا عن كل أحد. وفي أثناء قيامي بكتابة هذا الكتاب تركت على بابي كلمة تقول إنني »بالخارج « -تركتها على مدى ساعات وأيام حتى لا يقطع واحد من الناس علي خلوتي ومن هؤلاء أشخاص من المفترض أن يقرؤوا الكتاب.


وفي نص ما تفتقد الكلمات نفسها الواردة فيه سماتها الصوتية الكاملة. أما في الكلام الشفاهي فلا بد أن تشمل الكلمة هذا التنغيم أو ذاك كأن تكون الكلمة حيوية أو مثيرة أو هادئة أو ساخطة أو مذعنة أو أيا ما كانت فمن المحال نطق كلمة ما شفاهة دون أي تنغيم. و يمكن أن تشير علامات الترقيم في النص بدرجة أقل إلى نغمة الصوت فعلامة الاستفهام أو الفاصلة على سبيل المثال تدعو عموما إلى رفع درجة الصوت قليلا.
و يمكن كذلك أن يهيئ لنا التقليد الكتابي الذي يتبناه نقاد مهرة ويكيفونه لأغراضهم أدلة أخرى على التنغيم المطلوب من خارج النص لكنها ليست أدلة كاملة فالممثلون ينفقون الساعات لتقرير كيف ينطقون الكلمات في
النص الذي أمامهم. فمن الممكن أن يلقي أحد الممثلين فقرة ما بصوت جهير ويلقيها ممثل آخر همسا

والمذكرات الشخصية شكل أدبي جد متأخر بل إنه لم يكن معروفا حتى القرن السابع عشر. ذلك أن نوعية أحلام اليقظة التي تحتل الأنا المركز منها ويتم التعبير عنها في ألفاظ وتتضمنها هذه المذكرات هي نتاج للوعي بعد أن شكلته ثقافة الطباعة.

و تمد الكتابة في الأزمنة المبكرة القارئ بما يعينه على أن يتخيل لنفسه مكانا في النص فهي تقدم مادة فلسفية في
شكل محاورات مثل محاورات سقراط التي كتبها أفلاطون والتي تمكن القارئ من أن يتخيل نفسه مسترقا للسمع أو تقدم الإبيزودات التي ينبغي تخيلها كما لو كانت تحكي لجمهور حي في أيام متتابعة.
وفيما بعد في العصور الوسطى سوف تقدم الكتابة نصوصا فلسفية ولاهوتية في شكل الفنقلة أي في شكل اعتراض ورد على الاعتراض بحيث يستطيع القارئ أن يتخيل مجادلة شفاهية.

فروائيو القرن التاسع عشر ينغمون محرجين عبارة: »أيها القارئ العزيز « مرارا وتكرارا ليذكروا أنفسهم بأنهم لا يحكون القصة بل يكتبون قصة يواجه إزاءها كل من المؤلف والقارئ صعوبة في أخذ مكانه. لقد نضجت الديناميات النفسية للكتابة ببطء شديد في السرد القصصي.


البعد والدقة واللهجات المكتوبة، والمعجم الضخم
تطور عملية الإبعاد التي تحققها الكتابة نوعا جديدا من الدقة في التعبير اللفظي

لا شك أن كل لغة وفكر هما إلى حد ما ظاهرة تحليلية تفتت اتصال التجربة الكثيف وما دعاه وليم جيمس »بالخليط المدوي الكبير « إلى أجزاء تتفاوت في انفصالها بعضها عن بعض والى وحدات دالة. لكن الكلمات
المكتوبة تشحذ التحليل لأنها يطلب منها أن تصنع ما هو أكثر. فلكي توضح نفسك دون إشارة أو تعبير بالوجه أو تنغيم بالصوت أو مستمع حقيقي عليك أن تتنبأ بحذر بكل المعاني الممكنة التي يمكن أن تحملها عبارة ما لأي
قارئ
ممكن في أي موقف ممكن وعليك أن تجعل لغتك فاعلة بحيث تصبح واضحة تماما بذاتها دون سياق وجودي يضمها: إن الحاجة إلى هذا الحذر الشديد تجعل الكتابة عذابا كما يعرف من يمارسها عادة.

وما يدعوه جودي إنعام النظر إلى الخلف « يجعل من الممكن في الكتابة التخلص من التناقضات كما تمنح المفاضلة بين الكلمات وفقا لعملية انتخاب تأملية الفكر والكلمات قدرات جديدة على التمييز بين الأشياء أما في الثقافة الشفاهية فنجد أن تدفق الكلمات وفيض الفكر المصاحب والغزارة التي دافع البلاغيون عنها في أوروبا منذ العصر الكلاسيكي القديم إلى عصر النهضة نجد أن هذه الأشياء تميل إلى التحكم في التناقضات بتبريرها(بل او - المطالع)

أما مع الكتابة فما أن »تنطق « الكلمات أو قل »تنطلق « إلى الخارج وتدون على السطح حتى يمكن تنحيتها ومحوها وتغييرها.
وليس ثم مقابل لهذا في الأداء الشفاهي حيث لا سبيل لمحو كلمة منطوقة فالتصحيحات لا تزيل سوء التعبير أو الخطأ; فقصاراها أن تردف الخطأ بالإنكار والترقيع. وهذا الترقيع الذي يراه ليفي شتراوس من خصائص أنماط الفكر »البدائي « أو »المتوحش « يمكن النظر إليه هنا على أنه صادر عن الموقف العقلي الشفاهي. وإذن فالتصحيحات في الأداء الشفاهي تميل إلى أن تكون سلبية الأثر وأن تجعل من المتكلم غير مقنع. ولهذا فإنه لا يلجأ إليها إلا عند الضرورة القصوى أو يتجنبها كلية. بينما يمكن في حالة الكتابة إجراء التصحيحات على نطاق واسع وأنى للقارئ أن يعرف أنها أجريت?

ولا شك أن هذا الإحساس بضرورة توخي الدقة في التعبير والتحليل وهو الإحساس الذي توجده الكتابة أصلا فينا وتجعله جزءا من طرف تفكيرنا يمكن أن يؤثر في الكلام-بل يؤثر فعلا. وعلى الرغم من أن فكر أفلاطون قد صيغ في شكل محاورات فإن دقته الشديدة تعود إلى تأثير الكتابة في العمليات العقلية لأن هذه الحوارات هي في الحقيقة نصوص مكتوبة. وهي تتحرك جدليا خلال نص صيغ كتابة في شكل محاورة نحو الوضوح التحليلي للموضوعات التي ورثها سقراط وأفلاطون بشكلها الشفاهي المسرود الذي يغلب عليه طابع »الكلية « ويفتقر إلى التحليل.

وتجعل الكتابة عملية الاستبطان أشد قدرة على البيان من خلال فصل العارف عن المعروف كما تجعل النفس منفتحة على نحو لم يحدث أبدا من قبل ليس فحسب على العالم الموضوعي الخارجي المتميز عنها كل التميز بل كذلك على النفس الداخلية التي يقف هذا العالم في مواجهتها فمن شأن الكتابة أن تجعل التقاليد الدينية الاستبطانية العظيمة مثل البوذية واليهودية والمسيحية والإسلام أمراً ممكنا. وكل هذه التقاليد لها نصوص مقدسة. وقد عرف الإغريق القدماء والرومان الكتابة واستخدموها وبخاصة الإغريق للتوسع في المعرفة الفلسفية والعلمية.
ولكنهم لم يطوروا نصوصا مقدسة يمكن مقارنتها بنصوص الفيدا أو العهدين القديم والجديد أو القرآن وفشلت ديانتهم في تأسيس نفسها في أعماق النفس التي انفتحت أمامهم على يد الكتابة. وقد أصبحت هذه الديانة مصدرا أدبيا مغرقاً في القدم تفيد منه طبقة المثقفين من أمثال أوفيد وإطارا من الطقوس الخارجية التي ينقصها المعنى الشخصي الملح.

ومن شأن الكتابة أن تطور في اللغة شفرات متميزة من الشفرات الشفاهية في اللغة نفسها. وقد ميز بازل برنشتاين بين »الشفرة اللغوية المحدودة « أو »اللغة العامة « للهجات إنجليزية الطبقة الدنيا في بريطانيا و »الشفرة اللغوية المحكمة « أو »اللغة الخاصة « للهجات الطبقة المتوسطة والعليا فروقا كالتي لاحظها بين الإنجليزية الأمريكية السوداء والإنجليزية الأمريكية الفصحى. و يمكن للشفرة اللغوية المحدودة أن تصل في قدرتها على التعبير إلى مستوى لا يقل عن مستوى تعبيرية الشفرة المحكمة ودقتها في السياقات المألوفة والمتداولة بين المتكلم والسامع. لكن الشفرة اللغوية المحدودة هذه لن تجدي في التعامل مع غير المألوف تعاملا تعبيريا دقيقا في حين تكون الحاجة إلى الشفرة المحكمة مطلقة. ومن الواضح أن الشفرة اللغوية المحدودة شفاهية إلى حد بعيد في أصلها
واستخدامها وأنها تعمل مثل الفكر والتعبير الشفاهيين عموما في حدود
السياق وتكون قريبة من عالم الحياة الإنساني: وقد وجد برنشتاين أن اﻟﻤﺠموعة التي تستخدم هذه الشفرة كانت تتكون من »المراسل «} أو »الفراش«} الذين لم يتلقوا تعليما ثانويا. وكان تعبيرهم أشبه بالصيغة فهو يسلك الأفكار بعضها مع بعض لا في أنساق مختارة في عناية بل »كما لو كانت خرزات في إطار

كيف تحيل الشفاهية المعنى إلى السياق في معظمه في حين تركز الكتابة المعنى في اللغة نفسها.

والكتابة والطباعة تطوران أنواعا خاصة من اللهجات. ومعظم اللغات لم تدون على الإطلاق على نحو ما رأينا في بداية الفصل الأول ولكن بعض اللغات-أو قل اللهجات أخذت تعتمد اعتمادا هائلا على الكتابة. وكما حدث في إنجلترا أو المانيا أو إيطاليا حيث توجد مجموعة من اللهجات فإن إحدى اللهجات الإقليمية تطورت كتابيا بصورة تفوق كل ماعداها لأسباب اقتصادية أو سياسية أو دينية أو غيرها فأصبحت لغة قومية في نهاية المطاف وقد حدث هذا في إنجلترا لإنجليزية الطبقة العليا في لندن كما حدث في المانيا للالمانية العالية(المانية المرتفعات الواقعة في الجنوب) وكما حدث في إيطاليا للهجة توسكانا. وفي حين أنه من المحقق أن هذه اللهجات كانت جميعا في الأصل إقليمية أو طبقية أو كلتيهما معا فإن مكانتها من حيث هي لغات وطنية خاضعة للكتابة جعلت منها أنواعا من اللهجات أو اللغات متميزة عن تلك التي لم تكن مكتوبة على نطاق واسع. وكما أوضح جوكسمان كان على اللغة الوطنية المكتوبة أن تعزل من أساسها اللهجي الأصلي وأن تهمل أشكالا لهجية بعينها وأن تطور طبقات متنوعة من المفردات من مصادر ليست لهجية على الإطلاق وأن تطور كذلك بعض خصوصيات نحوية. وقد أحسن هيوجن عندما أطلق على هذا النوع من اللغة المكتوبة الراسخة مصطلح »لهجة مكتوبة

وقد تطورت لهجة مكتوبة حديثة »كالإنجليزية «-إن شئنا استخدام مصطلح بسيط شائع للدلالة على هذه اللهجة المكتوبة-نتيجة جهود دامت قرونا. ويبدو أن هذه الجهود بدأت على أشدها في عهد هنري الخامس في دائرة السجلات العامة. ثم على أيدي المنظرين والنحويين وواضعي المعاجم المؤصلين وغيرهم. وقد سجلت على نحو هائل كتابة وطباعة وصارت الآن على الحسابات الآلية بحيث يستطيع أولئك المتمكنون في اللهجة المكتوبة اليوم أن يقيموا اتصالا سهلا لا مع ملايين من الأشخاص الآخرين فحسب بل كذلك مع فكر القرون الماضية وذلك
لأن اللهجات الأخرى للإنجليزية مثلها مثل آلاف اللغات الأجنبية مفسرة