13.3.08

حمار ابن حمار من لا يكتب- الشفاهية و الكتابية - عرض كتاب ح3



الخطابة والأماكن: تفاعلات
هناك تطوران أساسيان خاصان في الغرب ينتجان عن تفاعل الكتابة والشفاهة ويؤثران فيه. وهذان هما الخطابة الأكاديمية واللاتينية العالية.
كانت دراسة الخطابة السائدة في كل الثقافات الغربية حتى ذلك الوقت قد بدأت بوصفها أساس التعليم والثقافة اليونانية القديمة. ففي اليونان القديمة كانت دراسة »الفلسفة « كما مثلها سقراط وأفلاطون وأرسطو برغم نتائجها الغنية فيما بعد عنصرا ثانويا نسبيا في الثقافة اليونانية ككل لا ينافس الخطابة مطلقا سواء في عدد ممارسيها
أو في آثارها الاجتماعية الفورية على نحو ما ينبئنا مصير سقراط غير السعيد.
كانت الخطابة في الأصل فن الكلام أمام الناس أي فن الخطاب الشفاهي من أجل الإقناع ( بمعنى بلاغة اﻟﻤﺠادلة ومحاكمة الأمور) أو (دورة خطابة الرسالة)


يتضح أن التقليد الخطابي كان يمثل العالم الشفاهي القديم بمعنى عميق للغاية وأن التقليد الفلسفي كان يمثل البنيات الكتابية الجديدة للفكر. وكان سي. إس. لويس مثله مثل أفلاطون يدير ظهره من غير أن يدري-في الواقع-للعالم الشفاهي القديم. فالالتزام الواضح أو الضمني بالدراسة الرسمية والممارسة الرسمية للخطابة عبر القرون حتى
عصر الرومانسية (عندما تحول اتجاه الخطابة بلا رجعة إن لم يكن كلية من الأداء الشفاهي إلى الكتابة) كان هذا الالتزام مؤشراً على كمية الشفاهية الأولية المتبقية في ثقافة ما

كان الإغريق في عصر هومروس وما قبله مثلهم مثل الشعوب الشفاهية يمارسون الخطابة أمام الناس بمهارة عظيمة وذلك قبل وقت طويل من صياغتها على شكل »فن « للخطابة أي إلى جملة من المبادئ العلمية المتسلسلة التي تفسر مكونات الإقناع اللفظي وتشجعه. ومثل هذا »الفن « مقدم في فن الخطابة لأرسطو.

أما الثقافات الشفاهية كما قد رأينا فلا يمكن أن يكون لديها »فنون « من هذا النوع المنظم علميا.
كذلك لم يكن أحد ليستطيع بل لا يستطيع أحد في الواقع أن يستظهر رسالة مثل فن الخطابة لأرسطو ارتجالا على نحو ما كان المرء في الثقافة الشفاهية مطالبا به إذا كان لهذا النوع من الفهم أن يتحقق. ذلك أن المنتجات الشفاهية المطولة تتبع أنماطا أشد اعتمادا على التراكم وأقل اعتمادا على التحليل أما »فن « الخطابة فكان برغم اهتمامه بالكلام الشفاهي مثل »فنون « أخرى نتاجا للكتابة.

ومن العصر القديم اليوناني فصاعدا أعطى سيطرة الخطابة في البيئة الأكاديمية في أرجاء العالم الكتابي انطباعا حقيقيا وإن كان غالبا غير محدد بأن الخطابة كانت النموذج لكل تعبير لفظي واحتفظت بالحدة الخصامية للخطاب إلى درجة أعلى مما نألفه هذه الأيام. وكثيرا ما كان الشعر نفسه عنصرا من عناصر الخطابة الاستعراضية وكان مجال اهتمامه يعد محصورا أساسا في المدح أو الهجاء (على نحو ما هو عليه الشعر الشفاهي أو حتى المكتوب إلى اليوم).
كان معظم الأسلوب الأدبي في أنحاء الغرب حتى القرن التاسع عشر تشكله البلاغة الأكاديمية بطريقة أو بأخرى باستثناء واحد بارز هو الأسلوب الأدبي لدى المؤلفات الإناث فمن بين النساء اللاتي أصبحن كاتبات لهن أعماله منشورة على نحو ما حدث لكثير منهن منذ سنة ١٦٠٠ فصاعدا لم تتلق أية امرأة منهن تقريبا مثل هذا التدريب. ذلك أنه في العصور الوسطى وما بعدها كان تعليم البنات مكثفا في كثير من الأحيان وكان يخرج مديرات مؤهلات للمنازل التي كان يحتوي الواحد منها أحيانا على خمسين إلى ثمانين شخصا لكن هذا التعليم لم يكن يكتسب في المؤسسات الأكاديمية التي كانت تعلم البلاغة وكل الموضوعات الأخرى باللاتينية. فعندما بدأت البنات في دخول المدارس بأعداد معقولة خلال القرن السابع عشر لم يدخلن في المدارس الرئيسية التي تدرس باللاتينية بل في المدارس الأحدث التي تدرس باللغة المحكية. وهذه المدارس كانت ذات توجه عملي نحو التجارة والشؤون المنزلية في حين كانت المدارس الأقدم ذات التعليم القائم على اللاتينية تعلم أولئك الذين يتطلعون إلى أن
يكونوا رجال دين أو محام أو أطباء أو دبلوماسي أو موظف عمومي آخرين. ولا شك في أن النساء الكاتبات تأثرن بالأعمال التي قرأنها والتي انبثقت من التقليد البلاغي الأكاديمي القائم على اللغة اللاتينية ولكنهن كن يعبرن عن ذواتهن بصوت مختلف أقل خطابية إلى حد بعيد وهو صوت كانت له علاقة كبيرة بنشوء الرواية.

تفاعلات: لغات العلم والثقافة العالية
كان التطور الهائل الثاني في الغرب الذي أثر في تفاعل الكتابة والشفاهة هو اللاتينية العالية. وكانت اللاتينية العالية نتيجة مباشرة للكتابة ففيما بين ٥٥٠ و ٧٠٠ بعد الميلاد كانت اللاتينية المحكية في أجزاء مختلفة من أوروبا قد تطورت إلى أشكال مبكرة متنوعة من الإيطالية والإسبانية والقطالونية والفرنسية ولغات الرومانس الأخرى. وبحلول عام ٧٠٠ لم يعد المتكلمون بهذه الفروع اللاتينية قادرين على فهم اللاتينية المكتوبة القديمة التي ربما استطاع بعض أجداد أجدادهم فهمها. ذلك أن اللغة الجارية على ألسنتهم كانت قد نأت بعيدا جدا عن أصولها. لكن التعليم في المدارس إضافة إلى معظم أنواع الخطاب الرسمي في الكنيسة أو الدولة استمر باللاتينية. ولم يكن ثمة خيار في الحقيقة فأوروبا كانت تضم مئات من اللغات واللهجات معظمها لم يكتب أبدا إلى اليوم. كما أن قبائل تتكلم لهجات جرمانية وسلافية لا حصر لها بل حتى لغات أغرب من خارج مجموعة اللغات الهند أوروبية مثل اﻟﻤﺠرية والفنلندية والتركية كانت تتنقل إلى أوروبا الغربية. ولم يكن ثمة سبيل لترجمة الأعمال الأدبية أو العلمية أو الفلسفية أو الطبية أو اللاهوتية التي كانت تدرس في المدارس والجامعات إلى العاميات الشفاهية المتدافعة التي غالبا ما اختلفت أشكالها حتى إنها لم تكن صالحة للتفاهم بها بين السكان الذين ر بما لم تزد المسافة بين بعضهم وبعض على خمسين ميلا فحسب. وإلى أن تسود لهجة أو أخرى لأسباب اقتصادية أو غيرها بحيث تجتذب أنصارا لها ولو كانوا من مناطق لهجية أخرى (كما فعلت لهجة الميدلاند الشرقية في إنجلترا أو الألمانية العالية في ألمانيا) كانت السياسة العملية الوحيدة هي تعليم اللاتينية للأعداد المحدودة من الأولاد الذين كانوا يختلفون
إلى المدرسة. وهكذا فإن اللاتينية التي كانت لغة الأم ذات مرة أصبحت لغة المدرسة فقط لا تستخدم في حجرة الدراسة فحسب بل في كل مكان آخر داخل مباني المدرسة وقد أصبحت نظريا على الأقل وإن لم يكن فعليا وقد أصبحت اللاتينية بمقتضى قوانين المدارس هي اللاتينية العالية: أي لغة تتحكم فيها الكتابة تحكما تاما بينما تطورت لغات الرومانس المحكية الجديدة عن اللاتينية بالطريقة التي تتطور بها اللغات دائما أي الطريقة الشفاهية. لقد مرت اللاتينية بمرحلة الانفصام بين الصوت والصورة.

لقد اشتركت اللاتينية العالية مع البلاغة بصفة أخرى غير الاشتراك في الأصل الكلاسيكي وذلك بسبب تمركزها في عالم الأكاديميين الذي اقتصر على الذكور باستثناء أمثلة يبلغ من ندرتها أنهايمكن إهمالها. فقد ظلت هذه اللاتينية العاليةلما يزيد على ألف سنة متصلة بجنس الذكور يكتبونها ويتكلمونها ويتعلمونها خارج نطاق البيت ضمن خلفية قبلية يمر فيها الذكور بطقس البلوغ بما يرافق ذلك من عقاب جسدي وغير ذلك من المصاعب التي تقام في طريق المتعلمين عمدا . ولم يكن لهذه اللغة صلة مباشرة باللاشعور لدى أي

غير أن اللاتينية العالية اتصلت بالشفاهية والكتابية بطرق تتصف بالمفارقة. فمن ناحية-كما لاحظنا لتونا-كانت اللاتينية لغة تم التحكم فيها خطيا وكان كل فرد من الملايين الذين تكلموها على مدى ال ١٤٠٠ سنة التالية قادرا على أن يكتبها كذلك ولم يكن هناك من يستخدمها شفاهيا على نحو خالص. غير أن التحكم الخطي في اللاتينية العالية لم يحل دون تحالفها مع الشفاهية من ناحية أخرى. فمن المفارقات أن النصية التي حافظت على جذور اللاتينية غائرة في العصر القديم الكلاسيكي حافظت عليها نتيجة لهذا في الشفاهية أيضا ذلك أن النموذج الكلاسيكي للتعليم لم يكن يطالب بإيجاد الكاتب المؤثر بل الخطيب أو المتكلم أمام الناس.
وقد جاء نحو اللاتينية العالية من هذا العالم الشفاهي القديم. ومنه كذلك جاءت مفرداتها الأساسية برغم أنها استوعبت مثل كل اللغات المستخدمة حقا آلافا من الكلمات الجديدة على مر العصور.
و بما أن اللاتينية العالية خلت من لغة الأطفال وانعزلت عن الحياة المبكرة للطفولة حيث تمد اللغة أعمق جذورها النفسية و بما أنها لم تكن لغة أولى لأي من مستخدميها بل كانت تنطق بأشكال يصعب فهمها بين الجماعات اﻟﻤﺨتلفة عبر أوروبا وإن كانت تكتب دائما بالطريقة نفسها فإن هذه اللغة شكلت مثلا مذهلا على قدرة الكتابة على عزل الخطاب وعلى القدرة الإنتاجية الفائقةلمثل هذا العزل. فالكتابة كما رأينا سابقا تساعد على فصل العارف عن المعروف وعلى إيجاد مسافة بينهما ومن ثم تساعد على تأسيس الموضوعية. وقد ذهب البعض إلى أن
اللاتينية العالية تحقق موضوعية أعظم من خلال تأسيسها المعرفة في وسط معزول عن الأعماق المشحونة بالعواطف لأصحاب اللغة الأم. وهي بهذا تقلل من تدخل عالم الحياة الإنساني و تمكن من الإحاطة بالعالم
البالغ التجريد لدى المدرسية القروسطية وفي العلم الرياضي الحديث الذي أعقب التجربة المدرسية تلك. ويبدو أن نشأة العلم الحديث كانت ستواجه صعوبة جد خطيرة لو لم تكن هناك لغة لاتينية عالية هذا إذا كان لها أن تنشأ على الإطلاق. لقد نشا العلم الحديث في تربة اللاتينية وذلك لأن الفلاسفة والعلماء في زمن اسحق نيوتن كانوا بشكل عام يكتبون ويمارسون تفكيرهم اﻟﻤﺠرد باللاتينية.



وقد هاجرت الخطابة نفسها من العالم الشفاهي إلى العالم الكتابي بشكل تدريجي لا محيد عنه. فمنذ العصر القديم الكلاسيكي وضعت المهارات اللفظية المكتسبة من فن الخطابة لتلبي حاجات الخطابة والكتابة.
وخلال القرن السادس عشر كانت كتب البلاغة المدرسية تحذف عادة من أجزاء البلاغة الخمسة التقليدية (الابتكار والترتيب والأسلوب والذاكرة والإلقاء) الجزء الرابع أي الذاكرة الذي لم يكن قابلا للتطبيق في مجال الكتابة. كما كانت كذلك تهون من شأن الجزء الأخير أي الإلقاء

الطباعة والفراغ والاكتمال
وكانت الكائنات البشرية على مدى آلاف من السنين تطبع تصميمات من أسطح منحوتة متنوعة كما كان الصينيون والكوريون واليابانيون منذ القرن السابع أو الثامن يطبعون نصوصا لغوية لا البداية من قوالب جعلت
الحروف فيها بارزة . غير أن التطور الجوهري في تاريخ الطباعة الشامل كان اختراع الطباعة بحروف الأبجدية المنفصلة في القرن الخامس عشر بأوروبا.

قد كان لدى الصينيين حروف طباعية قابلة للحركة ولكنها لم تكن حروفا أبجدية بل مجرد رموز أي كتابة تصويرية أساسا. وقبل منتصف القرن الخامس عشر عرف الكوريون والأتراك الويجور كلا من الحرف الطباعي المتحرك والأبجدي ولكن الوحدات الطباعية القابلة للحركة لم تكن حروفا منفصلة بل كلمات كاملة. أما الطباعة بالحروف الأبجدية البارزة


لقد كان السمع وليس البصر هو الذي هيمن على العالم الفكري القديم بطرق لها دلالتها واستمر ذلك وقتا طويلا حتى بعد أن تم استيعاب الكتابة استيعابا عميقا. وقد ظلت ثقافة اﻟﻤﺨطوطات في الغرب شفاهية هامشية
على الدوام والتقط أمبروز الميلاني الحالة النفسية المبكرة في كتابه »شرح لإنجيل لوقا .فقال: »كثيرا ما يكون البصر مخدوعا أما السمع فيقوم بدور الضامن «. وفي الغرب حتى أواخر عصر النهضة كانت الخطبة أكثر ما يعلم من فنون القول كما ظلت ضمنيا النموذج الأساسي لكل أنواع الخطاب مكتوبا كان أم شفاهيا. وكانت المادة الكتابية تابعة للسمع بأشكال تدهشنا اليوم بغرابتها. فقد كانت تستعمل على نطاق واسع لإعادة المعرفة إلى العالم الشفاهي كما كان الشأن في اﻟﻤﺠادلات التي كانت تجري في الجامعات في العصور الوسطى وفي قراءة النصوص الأدبية وغيرها على مجموعات من المستمعين

وفي القراءة بصوت عال حتى عندما يقرأ الإنسان لنفسه. وحتى وقت متأخر يصل-على الأقل-إلى القرن الثاني عشر في إنجلترا كان التحقق من الحسابات المالية حتى المكتوب منها لا يزال يحدث سمعيا وذلك عن طريق
قراءتها بصوت عال. وقبل ذلك كان بوسع الناس المحتفظين ببقايا من الشفاهية أن يفهموا حتى الأرقام بصورة أفضل بالاستماع أكثر مما يفهمونها بالنظر.
وقد ظلت ثقافات اﻟﻤﺨطوطات إلى حد كبير سمعية-شفاهية حتى عند استعادة المادة المحفوظة في النصوص. ولم يكن من السهل قراءة اﻟﻤﺨطوطات حسب المعايير الطباعية المتأخرة وكان القراءيميلون إلى حفظ بعض ما يجدونه في اﻟﻤﺨطوطات عن ظهر قلب. ولم يكن من السهل دائما تحديد مكان المادة في اﻟﻤﺨطوط.
و مما شجع على الحفظ وسهله أن التعبير اللفظي الذي صادفه المرء حتى في النصوص المكتوبة في ثقافة اﻟﻤﺨطوطات المتصفة بدرجة عالية من الشفاهية قد حافظ على التنميط الأسلوبي الذي يسهل التذكر. وعلاوة
على ذلك فإن القراء بشكل عام كانوا »يستمعون « أي يقرأون في بطء جهرا أو همسا حتى في أثناء القراءة بمفردهم وقد ساعد هذا كذلك على تثبيت المادة المطبوعة في الذاكرة.
لقد ظل التناول السمعي يهيمن حتى بعد تطوير الطباعة بوقت طويل على النص المرئي المطبوع رغم أن دور السمع تآكل مع مرور الزمن ومع ترسخ التقاليد الطباعية. ويمكن أن نرى الهيمنة السمعية على نحو مدهش
في أشياء من مثل صفحات العنوان المبكرة التي غالبا ما تبدو لنا شاذة على نحو جنوني في قلة اهتمامها بوحدات الكلمة المرئية. وتقسم صفحات العنوان في القرن السادس عشر بشكل عام حتى الكلمات الرئيسة ومعها اسم المؤلف وذلك بواصلات مقدمة الجزء الأول من الكلمة في السر ببنط كبير والجزء الأخير ببنط أصغر

وعلى وجه العموم تكون النصوص المطبوعة أسهل كثيرا للقراءة من النصوص اﻟﻤﺨطوطة والتأثيرات الناتجة عن السهولة العظيمة في قراءة المطبوع هائلة. وتؤدي هذه السهولة في النهاية إلى قراءة سريعة صامتة. وكذا تؤدي هذه القراءة إلى علاقة مختلفة بين القارئ وصوت المؤلف في النص وتدعو إلى أساليب مختلفة في الكتابة. وتتطلب الطباعة كثيرا من الأشخاص بالإضافة إلى المؤلف في عملية الإنتاج الناشرين والوكلاء الأدبيين وقراء الناشرين ومحرري النصوص وغيرهم. وكثيرا ما يستدعي هذا النوع من الكتابة قبل قيام مثل هؤلاء الأشخاص بفحص الكتابة لأجل الطبع أو بعد ذلك مراجعات مجهدة من قبل المؤلف وعلى درجة من الضخامة لا تكاد تعرف في ثقافة اﻟﻤﺨطوطات. وقليلة هي أعمال النثر المطولة في مثل هذه الثقافة التييمكن أن تثبت للفحص التحريري مثل الأعمال الأصيلة اليوم فهي لم توضع للاستيعاب السريع من فوق صفحة مطبوعة. كذلك فإن ثقافة اﻟﻤﺨطوطات تتوجه نحو منتجها لأن كل نسخة من العمل تمثل وقتا عظيما أنفقه الناسخ الفرد. ومخطوطات العصور الوسطى كثيرة الاختصارات وهي اختصارات تكون في صالح الناسخ على حساب القارئ. أما الطباعة فتتوجه نحو مستهلكها لأن إنتاج الناسخ المتفرق لا يحتاج إلى وقت كثير فعدة ساعات تنفق في إنتاج نص أكثر قابلية للقراءة سوف تحسن على الفور آلافا فوق آلاف من النسخ


وقد نبه إيفينز إلى أن الصور المطبوعة لم تكن تستخدم بشكل منتظم لنقل معلومات إلا بعد اختراع حروف الطباعة المتحركة في أواسط القرن الخامس عشر رغم أن فن طباعة الرسوم من أسطح منقوشة متنوعة كان معروفا منذ قرون خلت وكما أوضح إيفينز فإن الرسوم الفنية المصنوعة باليد في اﻟﻤﺨطوطات سرعان ما
تدهورت لأن الفنيين المهرة أنفسهم لم يكونوا يفطنون إلى مغزى الصورة الإيضاحية التي كانوا ينسخونها إذا لم يكن يشرف عليهم خبير في اﻟﻤﺠال الذي تشير إليه الصورة وإلا فإن غصينا من نبات النَّفَل الأبيض منسوخا
على أيدي سلسلة متوالية من الفنيين الذين لم يألفوا هذا النبات سوف ينتهي الأمر به إلى أن يشبه غصينا من نبات الهليون

لقد أنتجت الطباعة معاجم شاملة
أنتجت الطباعة كتبا أصغر وأخف حملا من تلك الشائعة في ثقافة اﻟﻤﺨطوطات فأحدثت تهيئة نفسية للقراءة المنفردة في ركن هادئ وللقراءة الصامتة على نحو لقد خلقت الطباعة إحساسا جديدا بالملكية الخاصة للكلمات.
فالأشخاص في الثقافة الشفاهية الأوليةيمكن أن يحسوا بحقوق الملكية لقصيدة ما غير أن مثل هذا الإحساس نادر ويضعف منه عادة المشاركة العامة في التراث الأدبي والصيغ والموضوعات التييمتح منها كل فرد.
أما مع الكتابة فيبدأ الشعور بالاستياء من سرعة النصوص في التصاعد. ويستخدم الشاعر اللاتيني القديم مارشال كلمة معذب; ناهب; جائر دلالة على الشخص الذي يستولي على كتابة شخص آخر. ولكن ليس هناك كلمة لاتينية خاصة بالمعنى الخاص بسارق النصوص أو سرقتها. ذلك أن التقليد الشفاهي المألوف كان لا يزال قويا. لكن في
الأيام المبكرة جدا للطباعة فإنه كثيرا ما كان يتم الحصول على مرسوم ملكي أو امتياز يحول دون إعادة طبع كتاب مطبوع من قبل آخرين فيما عدا الناشر الأصلي. وقد حصل ريتشارد بينسون على مثل هذا المرسوم سنة ١٥١٨ من هنري الثامن. وفي عام ١٥٥٧ تأسست شركة الوراقين المساهمة في لندن لتشرف على حقوق المؤلفين والطابعين أو الناشرين الطابعين وبحلول القرن الثامن عشر كانت قوانين حقوق الطبع المحفوظة الحديثة آخذة في التطور في أوروبا الغربية. لقد حول فن الطباعة الكلمة إلى سلعة. أما العالم الشفاهي الجماعي القديم فقد انشق إلى ملكيات يزعم أصحابها ملكيتها سرا

الطباعة والاكتمال: التناص
تشجع الطباعة على الإحساس بالاكتمال وهو الإحساس بأن ما هو قائم في نص ما قد استوفى الغاية; قد وصل إلى حالة من الكمال. وهذا الإحساس يؤثر على الإبداعات الأدبية كما يؤثر على العمل التحليلي فلسفيا كان أو علميا.
وقبل الطباعة شجعت الكتابة نفسها على بعض الإحساس بالاكتمال العقلي. فمن خلال عزلة الفكر على سطح مكتوب وجعله منفصلا عن أي محاور وجعل القول بهذا المعنى مستقلا بذاته وغير عابئ بأن يتعرض للهجوم من أحد

تقدم الكتابة
كذلك تمخضت ثقافة الطباعة عن الأفكار الرومانسية الخاصة ب »الأصالة « و »الإبداع «; وهو ما زاد من ابتعاد العمل الفردي عن الأعمال الأخرى واعتبر أصوله ومعانيه مستقلة عن التأثير الخارجي على الأقل من الوجهة المثالية.


الكتاب المحدثين المدركين إدراكا عميقا لأبعاد التاريخ الأدبي وللتناص القائم حقا في أعمالهم شغلتهم فكرة أنهم ربما كانوا لا ينتجون شيئا جديدا حقا أو طازجا على الإطلاق وأنهم ربما كانوا خاضعين تماما »لتأثير « نصوص الآخرين. ويعالج هارولد بلوم في كتابه »قلق التأثير « كرب الكاتب المحدث هذا. أما ثقافات اﻟﻤﺨطوطات فلا تكاد تعبأ بموضوع التأثير في حين تخلو الثقافات الشفاهية من مثل هذه اﻟﻤﺨاوف.
ولا تخلق ألطباعة إحساسا بالاكتمال في الأعمال الأدبية فحسب بل في الأعمال التحليلية الفلسفية والعلمية كذلك

ما بعد فن الطباعة: الإلكترونيات
فعلى الرغم مما يقال أحيانا فإن الوسائل الإلكترونية لا تقضي على الكتب المطبوعة بل إنها في الحقيقة تنتج عددا أكبر منها. فالمقابلات الشخصية المسجلة إلكترونيا تنتج آلاف الكتب والمقالات »المتحدثة « التي لم يكن من الممكن مطلقا أن ترى الطباعة قبل أن يكون التسجيل الإلكتروني ممكنا. ويعزز الوسيط الجديد هنا القديم ولكنه بالطبع يحوله إذ يشجع على أسلوب يتقصد لهجة الخطاب غير الرسمي لأن الشعوب الطباعية تعتقد عادة أن التبادل الشفاهي ينبغي أن يكون غير رسمي (في حين يعتقد الشفاهيون عادة أنه ينبغي أن يكون رسميا
وهي العملية التي بدأتها الكتابة وزادت الطباعة من سرعتها وصلت إلى درجة أعلى من السرعة بواسطة الحاسوب الذي يصل بعملية حبس الكلمة في المكان أو في الحركة الإلكترونية المحدودة إلى مداها الأقصى وبالفائدة من الترتيب التسلسلي التحليلي إلى حدها الأعلى بجعلها فورية تقريبا.
وقد نقلتنا التكنولوجيا الإلكترونية في الوقت نفسه مع التلفون والراديو والتلفزيون والأنواع المتعددة من أشرطة التسجيل إلى عصر »الشفاهية الثانوية «. وهذه الشفاهية الجديدة فيها مشابه مدهشة مع الشفاهية القديمة بما تتصف به من روحية المشاركة وبتعزيزها للإحساس الجماعي. وتركيزها على اللحظة الحاضرة
بل استخدامها للصيغ كذلك ولكنها في جوهرها شفاهية تعرف ما تريد وأشد وعيا بذاتها وتقوم على الدوام على أساس الكتابة والطباعة اللتين تعدان جوهريتين لصناعة الأجهزة وتشغيلها واستخدامها كذلك.
و تماثل الشفاهية الثانوية الشفاهية الأولية وتختلف عنها على السواء بصورة مدهشة. فمثل الشفاهية الأولية ولدت الشفاهية الثانوية إحساسا قويا باﻟﻤﺠموع; ذلك أن الاستماع إلى كلمات منطوقة يشكل السامعين في مجموعة. أو جمهور حقيقي تماما كما أن النصوص المكتوبة أو المطبوعة تجعل الأفراد يخلون إلى أنفسهم. لكن الشفاهية الثانوية تولد إحساسا بمجموعات أكبر بكثير من تلك التي تولدها الثقافة الشفاهية الأولية فنحن
نعيش الآن في »العالم القرية« -على حد تعبير مكلوهان. وفضلا على هذا كان الشعب الشفاهي قبل الكتابة ذا عقلية جماعية لأنه لم تكن ثمة بدائل ممكنة أما في عصر شفاهيتنا الثانوية فقد أصبحنا ذوي عقلية جماعية عن قصد وتعمد فالفرد يشعر أنه بوصفه فردا يجب أن يكون لديه حس اجتماعي. وخلافا لأفراد الثقافة الشفاهية الأولية الذين ينظرون إلى الخارج لأنهم لم تتح لهم فرصة النظر إلى الداخل فإننا ننظر إلى الخارج لأننا نظرنا إلى الداخل. كذلك فإنه في حين تعلي الشفاهية الأولية من التلقائية لأن التأملات التحليلية التي تحققها الكتابة غير متاحة تعلي الشفاهية الثانوية من التلقائية لأننا قررنا بعد التأمل التحليلي أن التلقائية مطلب جيد. وهكذا نخطط أحداث حياتنا بعناية لكي نكون متأكدين فقد ذهبت إلى الأبد الخطبة ذات الأسلوب القديم الصادرة من الشفاهية
الأولية. وفي مناظرتي لنكولن ودوجلاس في عام ١٨٥٨ واجه الخصمان- لأن هذا هو ما كاناه بوضوح وصدق-واجه كل منهما الاخر تحت لهيب شمس صيف إلينوي اللافح أمام الجماهير المتحمسة التي بلغت أعدادها
ما بين ١٢ و ١٥ ألف شخص (في أتاوا وفريبورت في ولاية إلينوي على التوالي-سباركس وقد تكلم كل منهما ساعة ونصف الساعة. تحدث المتكلم الأول لساعة واحدة والآخر لساعة ونصف الساعة والأول لنصف ساعة أخرى للرد والتعليق-وكل هذا دون مكبرات للصوت. لقد جعلت الشفاهية الأولية الناس يشعرون بوجودها من خلال الأسلوب التراكمي الإطنابي المعتمد على العبارات المتوازنة وعلى النزعة الخصامية الشديدة وعلى التفاعل الحاد بين المتكلم والجمهور. وقد انتهى المتناظران في مناظرتي لنكولن ودوغلاس بصوتين مبحوحين وجسدين منهكين. أما مناظرات الرئاسة على شاشات التليفزيون اليوم فإنها تختلف تمام الاختلاف عن هذا العالم الشفاهي الأقدم حيث الجمهور غائب وغير مرئي وغير مسموع. فالمرشحان يوضعان في كشكين صغيرين ويبدآن بمقدمة مختصرة لكل منهما ثم يدخلان في أحاديث قصيرة هشة يوجهها كل منهما للآخر يتعمد فيها الابتعاد عن الحدة لأن الأجهزة الإلكترونية لا تطيق العداوة الصريحة وبالرغم من جو التلقائية المدروس لأجهزة الإعلام هذه فإنه يهيمن عليها كلية الإحساس بالاكتمال الذي هو من تراث الطباعة; وأي ظهور علني للعداوة قد يكسر هذا الاكتمال أو السيطرة المحكمة ويكيف المرشحان نفسيهما لسيكولوجية وسائل الإعلام ويقبلان أن يسود
المناظرة جو عائلي راق مهذب

الذاكرة الشفاهية والخط السردي وخلق الشخصيات

ولهذا فهي تسرد قصصا عن الفعل الإنساني من أجل تخزين وتنظيم وتوصل كثيرا مما تعرف. وتولد الغالبية العظمى من الثقافات الشفاهية إن لم يكن كلها قصصا طويلة أو سلسلة من القصص مثل قصص الحروب الطروادية بين الإغريق القدماء وقصص القيوط [ذئب صغير يعيش في شمال أمريكا] بين العديد من شعوب أمريكا الأصليين وقصص الأنانسي (العنكبوت) في بيليز [هندوراس البريطانية سابقا] وغيرها من الثقافات الكاريبية الأخرى ذات الصلة بالتراث الأفريقي وقصص صنجاتا في مالي القديمة وقصص مويندو بين قبائل
النيانجا وهكذا. وغالبا ما تكون القصص من هذا النوع بسبب حجمها وتعقد مشاهدها وأحداثها مستودعا كبيرا لتراث الثقافة الشفاهية.
ثانيا إن القصص مهمة على وجه خاص في الثقافات الشفاهية الأولية لأنها تستطيع أن تدمج مادة هائلة من التراث في أشكال طويلة نسبيا وقابلة للديمومة ديمومة معقولة-وهو مايعني في الثقافة الشفاهية أشكالا قابلة للتكرار ولا شك أن الحكم السائرة والألغاز والأمثال وما أشبه تتصف بالديمومة كذلك ولكنها تكون عادة مختصرة. أما الصيغ الشعائرية التي يمكن أن تكون مطولة فغالبا ما تحتوي على موضوعات متخصصة.
كذلك الأمر في سلاسل النسب التييمكن أن تكون طويلة نسبيا فهي لا تقدم إلا معلومات عالية التخصص. و تميل الأشكال المطولة الأخرى في الثقافة الشفاهية الأولية إلى أن تتناول أحداثا جارية ومؤقتة. وهكذا يمكن أن تكون خطبة ما طويلة طول الرواية أو جزء من قصة يلقى في جلسة واحدة. ولكن الخطبة لا تتصف بالديمومة; فهي عموما لا تعاد. إنها توجه نفسها إلى موقف بعينه وتختفي من المشهد الإنساني إلى الأبد مع الموقف نفسه في حالة الغيبة الكلية للكتابة. أما القصيدة الغنائية فتميل إلى أن تكون إما مختصرة أو آنية أو كلتيهما. وهكذا الأمر مع غيرها من الأشكال.
أما في ثقافة الكتابة أو الطباعة فيدمج النص ماديا ما يحتويه أيا كان ويجعل من استعادة أي نوع من التنظيم الفكري بكامله أمرا ممكنا. والقصص في الثقافات الشفاهية الأولية حيث لا يوجد نص تقوم بدمج الفكر في
نطاق أكثر اتساعا ودواما من الأنواع الأخرى

الذاكرة الشفاهية والخط السردي
يميل الأشخاص الذين ينتمون إلى ثقافات كتابية وطباعية معاصرة إلى النظر إلى القصة المبتكرة بوعي بوصفها قصة تسير خطيا نحو الذروة ويصورونها بخطوط بيانية من قبيل الحبكة الذائعة التي يمثلها »هرم فرايتاج « (أي بخط مائل يتجه إلى الأعلى يتبعه خط مائل آخر يتجه إلى الأسفل) : أي فعل صاعد يبني توترا يرتفع إلى الذروة تتكون غالبا من لحظة التعرف أو حادثة أخرى مؤدية إلى الانقلاب أو إلى عكس اتجاه الفعل الذي يتبعه الحل أو الانفراج-ذلك لأن هذه الحبكة الطولية الذروية المقررة كانت تشبه بربط العقدة وفكها. وهذا هو نوع الحبكة الذي يجده أرسطوا الدراما وهو موضع له دلالته لمثل هذه الحبكة لأن الدراما اليونانية كانت برغم عرضها شفاهة تؤلف بوصفها نصا مكتوب وكانت النوع الأدبي القولي الأول لا الغرب بل ظلت على مدى قرون النوع الأدبي الوحيد الذي تحكمت فيه الكتابة تحكما كاملا. لكن القصة الشفاهية اليونانية القديمة أي الملحمة لم تكن حبكتها على هذا النحو. وقد كتب هوراس في فن الشعر أن الشاعر الملحمي »يسرع إلى الفعل ويدفع بالسامع إلى وسط الأحداث



وفي ذهن هوراس بشكل أساسي إغفال الشاعر الملحمي للتعاقب الزمني. فالشاعر يورد موقفا ما وهو لا يشرح كيف تكون الموقف إلا بعد مضي وقت طويل وكثيرا ما يشرحه بتفصيل شديد وفي الحقيقة ليس لدى الثقافة الشفاهية خبرة بالحبكة المطولة ذات الخط الذروي في حجم الملحمة أو حجم الرواية. بل إنها لا تستطيع أن
تنظم قصة أقصر بالطريقة الذروية المدروسة الصارمة التي تعلم قراء الأدب توقعها أكثر فأكثر على مدى القرنين الماضيين-كما تعلموا في العقود الأخيرة أن ينتقصوا من قيمتها على استحياء وليس من العدل في شيء أن
نصف الإنشاء الشفاهي بأنه لا يتفق مع تنظيم لا يعرف ولا يستطيع أن يأخذه في حسبانه. ف »الأحداث « التي من المفترض أن يبدأ الفعل من وسطها لم ترتب أبدا باستثناء فقرات مختصرة في نظام زمني متتابع لتأسيس »حبكة « ما. ذلك أن »أحداث هوراس هي فنية فكرية شكلتها الكتابية; فأنت لا تجد حبكات طولية

ويزج الشعراء الشفاهيون بشكل عام بالقارئ في وسط الأحداث ليس نتيجة لأي تصميم من الطراز الرفيع بل بالضرورة فلم يكن لديهم اختيار أو بديل. ذلك أن هومروس بعد أن استمع إلى ما لا حصر له من المغنين يغنون
مئات من الأغاني ذات الأطوال المتنوعة عن حرب طروادة توافرت لديه ذخيرة من الأحداث التييمكنه أن يجدلها ولكن لم يكن هناك طريقة لتنظيمها في نسق متتابع صارم زمنيا دون كتابة. فلم تكن هناك قائمة بالأحداث بل لم تكن هناك في غيبة الكتابة أي إمكان لورود مثل هذه القائمة على الخاطر. ولو كان للشاعر الشفاهي أن يحاول أن يتقدم في عمله من خلال نظام متتابع صارم زمنيا لكان عليه في أي مناسبة يختارها أن ينحي جانبا حادثة أو أخرى في نقطة ما حيث ينبغي وضعها تتابعيا


وعلاوة على هذا فليست المادة المستعملة في الملحمة من ذلك النوع الذي يمكن إخضاعه إلى حبكة طولية ذروية ولو أن فصول الإلياذة أو الأوديسة كانت مرتبة ترتيبا زمنيا صارما لكان العمل في جملته يتقدم في صورة متصاعدة ولكنه ليس له البنية الذروية الضيقة التي للدراما التقليدية.
وجدول ويتمان الذي وضعه لنظام الإلياذة يوحي بأنها صناديق داخل صناديق يخلقها تكرار الموضوعات وليست مثل هرم فرايتاج.
ولكن لماذا لا تظهر إلى الوجود تلك الحبكة الذروية المطولة إلا مع الكتابة; فظهرت أولاها الدراما التي لا يوجد فيها راو ولم تدخل إلى القصة المطولة إلا مع روايات عصر جين أوس · بعد مضي أكثر من ٢٠٠٠ سنة? لقد كانت القصص المسماة بالروايات المبكرة كلها تروي أحداثا متقطعة برغم أن قصة مدام دي لافييت١٦٧٨ وقلة أخرى من الأعمال أفضل من غيرها من هذه الناحية. فالحبكة الطولية الذروية تحققت بشكل كامل في القصة البوليسية حيث نجد توترا متصاعدا في صرامة واكتشافا للحل وعكسا له منظمين تنظيما دقيقا وحلا كاملا
للعقدة. ومن المعتقد عموما أن القصة البوليسية بدأت سنة ١٨٤١ مع قصة إدجار ألان بو جرائم القتل في شارع مورج. فلماذا كانت كل القصص الطويلة قبل بدايات القرن التاسع عشر ذات أحداث متقطعة بآخر. في كل أنحاء العالم على حد علمنا (حتى عمل السيدة موراساكي شيكيبو الذي سبق زمانه
The Tale of theيمenji ولمَ لم
يكتب أحد قصة بوليسية متسقة الأجزاء قبل ١٨٤١ . لعل من الممكن الوصول إلى بعض الإجابات عن هذه الأسئلة-ليس كل الإجابات بالطبع-من خلال فهم أعمق لديناميات التحول الشفاهي-الكتابي
252



القران

مقال نسخ بالدفتر نسخ دنا
اختراع الابجدية عام 1500 ق.م
ش لا رجوع لمصادر مكتوبة
المانيا كمثال كتابي
صراع بين الغرب و الشرق - كتابي شفاهي
بانيت شفاهية عامية فصحى