14.2.08

ماذا لو لم تخترع الكتابة؟


سنبدا بمعالجة موضوع من اهم المواضيع التي تقوم عليها الحضارات و الثقافات و الافكار
طبعا ستتوقعون انه موضوع المطالعة ولكن ساخيب املكم مرة اخرى ...ان كانت المطالعة هي الاكل فان الاكل بذاته لا يبقي الانسان على قيد الحياة الا اذا هضمه و عالجه في الكبد و خزنه على شكل طاقة في الكبد و العضلات . ونفس الامر مع المطالعة: فالمطالعة تزود معدتنا بالافكار ولكن كيف نهضم هذه الافكار ؟ و كيف نفككها و نكون منها تركيبات جديدة؟ وكيف نخزنها ونتعامل معها بعد سنوات من تلقي هذه الافكار؟
http://ourworld.compuserve.com/homepages/sbrillanti/liver2.jpg

انها الكتابة!! فبالكتابة يمكننا استغلال فوائد المطالعة حتى القطرة الاخيرة ,طبعا قد يكون هذا ادعاء استفزازي لاول وهلة ولكن دعوني اؤكد لكم انه لولا الكتابة لما كنا راينا قصصا بوليسية و لا حتى حبكات قصصية بل لكان مبنى القصة تجميعيا من غير تصاعد الوتيرة الى لحظة التنوير و بعدها حل العقد في القصة كما هو في القصص التي امكن للانسان عرضها كتابة لا شفاهة
http://www.cpcom.com/images/feather-pen.jpg
الموضوع شيق وطويل ومهم ولن الخصه بمقال ولنبدا من النهاية الى البداية ونبحث كيف ترتقي الكتابة بالفكر من التجسيد الى التجريد وارجو منكم الا تخافوا عند سماع كلمتي التجسيد و التجريد , لانني لا اناقشها في اطارها الفلسفي لجهلي بهذا الموضوع و لكن اعرضها على الشكل الاتي :

لنفرض انك قدمت لضيفك طبقا من التمر فعندها يتقول له:تفضل يا ابو احمد تمرا , وعندها لن يجد ابو احمد مهربا الا التهام بضع حبات من التمر

ولكن ان زارك ابو احمد مباشرة بعد رجوعك من سوق الخضار فان الصينية ستزهو بالتمر و الاجاص و التفاح , وعندها لن تقول له :تفضل يا ابو احمد تمر او اجاص او تفاح , بل ستقول له: تفضل فواكها , وعندما تنطق بها فانك في تلك اللحظة ترتقي بفكرك من مرحلة التجسيد (التمر) الى مرحلة اكثر تجريدا (الفواكه) , واذا طلب منك ابو احمد بعد تناوله الفواكه ان تشغله في مصنعك ولبّيت له طلبه , فانك عندها ستكون قد قدمت له فواكها و عملا وهذا ما يسمى بمقومات الحياة وهي مرحلة تجريدية اعلى من مرحلتي التمر و الفواكه على التوالي

ما اهمية الارتقاء من التجسيد الى التجريد؟
كتبت عن هذا مقال "قل الابداع من امر المطالعة" و تجدونه في هذه المدونة

نبدا الان اذا باستكشاف العلاقة بين الكتابة و ارتقاء الفكر من التجسيد الى التجريد

اذا كنت ابني مقالاتي من شذرات افكار تخطر لي, فكيف لمقالاتي الارتقاء من التجسيد الى التجريد؟! كيف يرتقي المقال بكليته من التجسيد الى التجريد؟

عندما اقرر كتابة مقال عن امر يهمني فانني افتتح له صفحة اجمع فيها الافكار التي تبدرني . تبدرني الافكار اما:

1) بشكل تلقائي جراء نظري الى العالم (بعد اتخاذي قرار كتابة المقال) من منظور موضوع المقال ,واحاول ربط الاشياء التي التقطها بمجساتي بالموضوع .

2) واما بشكل مقصود عن طريق استحضار جميع المواضيع المتعلقة بواسطة التداعي الحر او التداعي المقصود اي اني احاول ايجاد علاقة ما بين موضوع المقال و بين موضوعات اخرى افترض انها تتقاطع معه ,واحيانا اعبث بالبحث عن علاقات بين مواضيع لا ترتبط مع بعضها لاول وهلة فاذا بي اجد الروابط الخفية

ما علاقة الافكار المتعلقة بالمقال المحدد ببعضها البعض؟
في الاسلوب التلقائي لا ترتبط الافكار ببعضها بالضرورة وان كانت ترتبط مع محور واحد وهو المقال
اما في اسلوب التداعي الحر فان استدراج الافكار او مبادرتها (يتعلق من اي زاوية ننظر للموضوع..) يشبه سحب سلسلة من جحر:اذ انك لا تدري ما الافكار التي تردك ,ولا تدري الى اي البقاع تصل وانت تسحب بالسلسلة .واحيانا اصل الى ذات الفكرة عن طريق سحب سلسلتين من جحرين مختلفين

بعد تجميع الافكار هذه ابني منها مقالا
ولكن كيف ارتقى المقال بالموضوع من التجسيد الى التجريد ان كان مبنيا من شذرات معلومات متقاربة على محور التجسيد - التجريد؟!
هل الارتقاء هو في المبنى العام للمقال و ليس في الافكار ذاتها؟

1) يرتقي مبنى المقال بواسطة الافكار و مقارنة بها, فانها وان كانت ذات درجة منخفضة من التجريد فان بناءها على شكل مقال يرفع من تجريدها, تماما مثل بناء بيت من لبنات متشابهة

2) ولكن ايضا الافكار ترتقي في المرحلة التحضيرية بالاسلوب التلقائي ,فانني عندما احاول ايجاد الرابط بين المقال و خبر قراته في احد المواقع فانني اقشر القوالب الزمكانية و ارتقي بالفكرة من التجسيد الى التجريد

3) وفي التداعي الحر المقصود فاني ايضا ارتقي بالفكرة لذات السبب اعلاه

4) وفي الاسلوب التلقائي فانه ليس تماما تلقائيا و احيانا يكون مقصودا بعقلي اللاواعي , بدليل انه يكون مكونا من سلاسل افكار وان كانت اقصر بكثير من سلاسل التداعي الحر المقصود

5) وعند كتابة المقال يتجلى لي المبنى العام و تخطر لي افكار لحظة كتابة المقال و تساهم هي في ارتقاءه

6) و عند تسجيل النقاط قبل كتابة الموضوع الكامل فاننا نرى ان هناك نقاط متقاربة و يمكن عرضها في المقال بنفس الفقرة , ولذا نقوم بكتابة مقدمة تمهيدية في الفقرة (وهذه تكون مجردة اكثر من الافكار التي تليها) و بعدها الافكار.وهكذا نقوم بتقشير القوالب الزمكانية عند جمع الافكار وعنقدتها وبذا نرتقي في التجريد

7) عند الكتابة تخرج افكار مختبئة من العقل اللاواعي لم نكن نعلم بوجودها مع انها كانت موجودة فعلا ,ولذا نتفاجا احيانا بعد كتابة مقال انه كان بامكاننا كتابة مقال على هذا المستوى

8) التخلص من الافكار من الدماغ وسجنها على الورق يحرر الدماغ من مهمة حفظ هذه المعلومات الى مهمة التفكير المتجدد في افكار جديدة ,ولذا يزداد تجريد الافكار كلما تاخر ظهورها في عقولنا

9) و حتى اسابيع بعد كتابة المقال تخطر افكار اخرى تساهم هي في ارتقاء المقال

10) و اظن ان المساهمة الاكبر من جانب المقال للارتقاء بالافكار تقع بعد اشهر و سنوات من كتابته ,حيث لاحظت ان قسما من مقالاتي القديمة تشكل لبنات في مقالات لاحقة ,وهذا الامر لاحظته عند مؤلفين كثيرين و بالذات روجيه جارودي, فانه اذا نظر القارئ الى كتب المؤلف منزوعة عن البعد الزماني فانه سيرى فيها الكثير من التكرار ,ولكن اذا نظر اليها على انها لبنات على الخط الزمني للمؤلف فانه سيرى ان المقالات المتاخرة (والتي تكرر افكار المقالات السابقة) تكون اكثر تجريدا و انسجاما و تكثيفا

11) ولا ننسى مساهمة المقال او الكتاب في الارتقاء بالكتب (او المقالات) التي يكتبها مؤلفون قرؤوا ذات المقال ومن جهة اخرى فان الكاتب ذاته يستفيد من افكار الاجيال السابقة له

12) الكتابة مجهدة عضليا اكثر من الكلام لذا نميل في الكتابة الى الاختصار و التكثيف بدليل اننا نذكر الاختصارات الكتابية كاملة عند النطق بها وهذا يزيد من التجريد فمثلا الخطوط اللاتينية(مثل الانجليزية و الالمانية و الفرنسية) تكتب بشكل معلّق عند الكتابة السريعة , ولكن في العربية -كممثلة للغة تنتمي لثقافة شفاهية - لا يوجد خط معلق بهدف توفير الوقت بل و يا للمفارقة الخطوط العربية المعلقة تكون نراها في لوحات فنية تستهلك الوقت , ومن هنا تروج الاختصارات في الثقافات الكتابية مثل الانجليزية و الالمانية و العبرية لانها اسهل واسرع , ولانها اكثر تجريدا , وفي المقابل تزخر العربية بالتكرار والسجع و التنميق الكلامي و الخطي لسد الثغرات الفكرية في الخطاب العربي وتكاد تعدم الاختصارات في العربية

13) انا اعرض الفكرة كنقطة تقاطع بين ميدانين و يتلقفها قارئ و يقاطعها مع ميدان تخصصه هو و هكذا ترتقي بالتجريد

14) تتيح الكتابة للفكرة انتشارا اوسع جغرافيا وزمانا و اسرع زمنا ولذا تتوالد اجيال من الافكار الكتابية متراكمة فوق بعضها البعض , فمثلا تتجدد الكتب في المكتبات الالمانية مرتين في العام و معها تتجدد الافكار و تتراكم و ترتقي (في نهاية كل من الموسمين تبدو المكتبات بمظهر يرثى له لم لا يعرف سر التخفيضات الهائلة على الكتب ظنا منه ان الالمان قرروا في ليلة ليلاء الاقلاع عن المطالعة مما ادى بالمكتبات الى الانهيار , وقد ظننت اني دخلت مكتبة غير تلك التي كنت قد قصدتها قبلها باسبوع في مدينة ماينز الالمانية بسبب تغير جميع الكتب التي كنت قد اطلعت عليها قبل اسبوع) . و للمقارنة فانني لم الاحظ تجدد الكتب في مكتبات القدس الشريف والتي تطبع منذ مئات السنوات . ولذا فان عمر الكتاب الالماني قصير ولكنه مكثف ويحفل بقائمة مراجع في اخره ويكون معظم مؤلفي هذه المراجع من العلماء , وقد يكون في اخر الكتاب الالماني قائمة بالمصطلحات الجديدة في الكتاب او اسماء الشخصيات الواردة في الكتاب, واما الكتاب العربي فهو ديناصور معمر ,واذا كان الكتاب الالماني يستثير الفكر فان الكتاب العربي يحجر عليه و يشجع على الحفظ على التفكير , ولذا يصفون العلماء الغربيين بالمفكرين اما نحن فنصف علمائنا بالحافظين ل(احرف ) كتاب الله مع انهم يضيعون جوهره و هو التفكير لانه مناط التكليف ,ومع ان التفكير قد يؤدي بالانسان المخير الى مزالق لا تقع فيها الملائكة المسيرة فان جنة الماوى مكافاة للانسان و ليس للملائكة لان العبرة في التفكير لا الاستنساخ النفسي كما هو حال الملائكة ,واذا فهمنا سبب توجهنا الى الانسان بالمفرد في حين ذكرنا الملائكة في صفة الجمع فاننا سنكون فهمنا روح القران

على الهامش:
1) حلمت للتو انني سئلت في اطار مسابقة معلومات عن تلك المناطق بين الدول العربية و ظهرت خارطة للدول العربية و على الحدود بين الدول يظهر شريط يمتد على طول الحدود . في البداية لم اعرف و لكن بعدها عرفت :انها مناطق تجارة حرة ... في نهاية الحلم تم ازالة جميع الخطوط و الحدودو و صارت كل الدول العربية منطقة تجارة حرة

2) قبل البارحة صدم الباص الذي كنت اركبه عجوزا المانيا في الستين او السبعين صدمة خفيفة للغاية (و لكن لم تكن هذه الصدمة تبعد عن الموت المحقق لو تم تغيير المعطيات قليلا) بسبب عدم انتباه العجوز للباص. توقف الباص وفتح السائق باب الباص ومشى العجوز الى باب الباص ."لقد ارتكبت خطئا كبيرا " قال السائق , العجيب ان العجوز لم يسب و لم يشتم و لم يصرخ بوجه السائق و لا حتى لم يطعنه بالسكين و يقتله كما يحدث في العالم العربي بل قال" انا الشخص الوحيد المذنب هنا" و كررها عدة مرات بصوت عال , ثم توجه الى الركاب قائلا" اعتذر اذا كنت قد ضايقتكم"