16.12.07

صيد الخاطر


من كتاب صيد الخاطر للحافظ الامام ابن الجوزي رحمه الله


-الوقت كالسيف-
رأيت العادات قد غلبت الناس في تضييع الزمان،وكان القدماء يحذرون من ذلك.
قال الفضيل:اعرف من يعد كلامه من الجمعة الى الجمعة.
ودخلوا على رجل من السلف فقالوا:لعلنا شغلناك،فقال:أصدقكم كنت أقرأ فتركت القراءة لأجلكم.
وجاء رجل من المتعبدين الى سري السقطي،فرأى عنده جماعة،فقال:صرت مناخ البطالين ،ثم مضى ولم يجلس.ومتى لان المزور طمع فيه الزائر،فأطال الجلوس فلم يسلم من أذى
وقد كان جماعة قعودا عند معروف،فأطالوا فقال: ان ملك الشمس لا يفتر في سوقها أفما تريدون القيام؟ وممن كان يحفظ اللحظات عامر بن عبد قيس ،قال له رجل:قف أكلمك قال : فأمسك الشمس
وقيل لكرز بن وبرة:لو خرجت الى الصحراء،فقال:يبطل الزوجار
وكان داود الطائي يستف الفتيت ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخيز قراءة خمسين آية.
واعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة،فإن في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(من قال:سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة).
فكم يضيع الادمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل،وهذه الايام مثلا لمزرعة،فكأنه قيل للإنسان:كلما بذرت حبة أخرجنا لك ألف كر،فهل يجوز للعاقل أن يتوقف في البذر ويتوانى؟والذي يعين على اغتنام الزمان الانفراد والعزلة مهما أمكن،والاختصار على السلام أو حاجة مهمة لمن يلقى.وقلة الأكل،فان كثرته سبب النوم الطويل وضياع الليل.ومن نظر

في سير السلف وآمن بالجزاء بان له ما ذكرته


قدماء العلماء وهمتهم العالية-
كانت همم القدماء من العلماء عالية،تدل عليها تصانيفهم التي هي زبدة اعمارهم، الا ان أكثر تصانيفهم دثرت؛لان همم الطلاب ضعفت ،فصاروا يطلبون المختصرات ولا ينشطون للمطولات،ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها ،فدثرت الكتب ولم تنسخ.
فسبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات ،فليكثر من المطالعة ،فانه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره ويحرك عزيمته للجد،وما يخلو كتاب من فائدة.
وأعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم، لا نرى فيهم ذا همة عالية فيقتدي بها المبتدئ ولا صاحب ورع فيستفيد منه الزاهد.وعليكم بملاحظة سير السلف،ومطالعة تصانيفهم،واخبارهم،فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم،

كما قال:
فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أرى الديار بسمعي
واني أخبر عن حالي ،ما أشبع من مطالعة الكتب، واذا رأيت كتابا لم أره ، فكأني وقعت على كنز، ولقد نظرت في ثبت الكتب الموقوفة في المدرسة النظامية ،فاذا به يحتوي على نحو ستة الاف مجلد
ولو قلت:إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر ، وانا بعد في الطلب.فاستفدت فيها من ملاحظة سير القوم ،وقدر هممهم،وحفظهم،وعباداتهم،وغرائب علومهم، ما لا يعرفه من لا يطالع، فصرت استزري ما الناس فيه،واحتقر همم الطلاب، ولله الحمد