24.11.07
نحن والاخر (الغربي)،وفاق ام افتراق؟
نحن والاخر (الغربي)،وفاق ام افتراق؟
للاستاذ سيد محمد صادق الحسيني
من كتاب نحن والاخر-حوارات لقرن جديد-
لد.غريغوار مرشو ، والاستاذ سيد محمد صادق الحسيني
ان نكون مسلمين يعني فيما يعني اننا نسلم بما تفرضه علينا احكام السنن الكونيه المتحكمة بحركه العالم بعيدا عن رغباتنا،او ادراكنا،او اسقاطاتنا الذاتيه الخاصه بنا حول العالم.ومما تفرضه علينا السنن الكونيه التي لا محيص عنها هو كون هذا العالم مليئا بمن هو غيرنا ،ومن لم يسمع بنا ، ولم يتعرف علينا ولم نتعرف عليه نحن ايضا ،لكنه برغم ذلك قد يكون مثلنا ،ويتحدث عن الشئ نفسه الذي نتحدث عنه دون ان يدري هو،وايضا دون ان نعلم نحن بانه يتحدث الشئ نفسه الذي نتحدث عنه.
فكما العالم المادي(غير العقلي) او (غير العقلاني) متنوع ومتعدد الاشكال والصيغ والهيكليات،لكنه يؤدي وظيفة واحدة ، ويعبر عن حقيقه واحدة ،فان العالم البشري العقلي والعقلاني المتنوع والمتعدد في اشكاله وهيئاته يبدو انه في النهايه يلهج بلغه واحدة في النهايه وان تحدث بلغات متعددة .وفي هذا السياق ينقل احد كبار العلماء نكتة ذات دلالة خاصه في هذا الباب،مفادها ان ثلاثه فقراء من المسلمين ،فارسي ،وتركي ،وعربي،كانوا يجلسون على قارعه الطريق،فمر بهم رجل فتصدق عليهم بمبلغ من المال،فقال الفارسي:لا نشتري به الا (انكور)وقال التركي:لا،بل نشتري به (رستخيس)،وقال العربي:لا،بل نشتري به (العنب)،وتجادلوا كثيرا حتى كاد يصل جدالهم الى الصدام ،حتى مر بهم رجل يعرف اللغات الثلاثه فقال لهم:انكم انما تتكلمون عن شئ واحد!..
ان تجربه العالم المعاصر التي تكاد تقرب الشعوب والامم بعضها من بعض الى درجه التماثل والتطابق (ولا تدخل القلة القليله من ارباب المال والثروه والسلطان التابعين لحكومه (اليهود)الخفية التلمودية) تؤكد يوما بعد يوم ان الاسلام دينا ومنهجا وقاعدة عمل بات منتشرا في العالم سنه كونيه متحكمه في مسيرات الامم والشعوب سواء بطريقه البحث للوصول الى الحقيقه المطلقه ،او بطريقه الانجازات المترتبه على جهود ومساعي العلماء والباحثين والمفكرين ،او بطريقه العيش اليومي الذي تمارسه شعوب الارض المختلفه .
صحيح اننا قد لا نرضى او نقبل او نقر بالعديد من تصرفات وسلوكيات سكان العالم الاخر الذي نطلق عليه العالم الغربي،باعتبارها تصرفات ومسلكيات لم تنشأ عن تعاليم الاسلام وارشاداته التي نعرفها او نظن اننا الوحيدون الذين نعرفها،ولكن المتبحر بكثير من تلك التصرفات سرعان ما يجد فيها تصرفات اقرب ما تكون من دعوة الاسلام وندائه، وهو ما يجعلنا نقول كما قال المفكر والمصلح محمد عبده ، عندما زار بعض بلاد اوروبا في القرن التاسع عشر:(( رايت الاسلام موجود عندهم من دون مسلمين ،هذا فيما نرى ساحات بلادنا خالية في كثير من الاحيان من الاسلام المقدم الى الراي العام برغم تكدس المسلمين في ثناياها وزواياها ومساجدها وتكاياها)).
وبراينا المتواضع فان صدق التعامل الذي نراه غالبا لدى الطبقة العاديه من الناس في الغرب مجسدا دعوة الاسلام و(غش)التعامل الذي نراه احيانا لدى الطبقات الموغله في النهب باسم التجارة في الشرق مجسدا مخالفة صريحة لدعوات الاسلام والمسلمين انما تشكل سلوكين معبرين عن حقيقه واحدة،فالاول ياتي نزولا واستسلاما او تسليما لتحقيق الوعد الالهي،فيما الثاني تمردا وجحودا في مواجهة انقلاب اهل الدار والدعاة باسم الاسلام على قواعد الاسلام الحقيقية وسننه المفترضة.
من هنا فانني على اعتقاد يمضي قدما في الترسخ مع الايام بان اسلاما ما قد يطبق في مجتمع ما من مجتمعات الغرب لا يعرف اهله بانه الاسلام،ولا نعترف به،بانه الاسلام بسبب التعقيدات الطارئه على حياة البشر المعاصرة وتشابكات وصعوبات النسيج البشري المكون لكل مجتمع.كما ان سلوكيات بعض مجتمعاتنا التي غالبا ما(نكفرها) و(نفسقها) ظنا منا بانها قد خرجت عن الاسلام ليست في الواقع سوى علامه من علامات الخروج الاجباري لهذه المجتمعات على واقع ظالم ومجحف وهيمني يزعم رفع رايه الاسلام،في الوقت الذي هي فيه ابعد ما تكون عن الاسلام!
وتأسيسا على ما تقدم فانني اكاد اجزم بان الحل الامثل في فهم حقيقه الشعوب والامم يكمن في الاقرار سلفا بوجود الاخر ليس فقط داخل كل واحد فينا وداخل مجتمعاتنا ،بل وداخل كل وحدة اجتماعية في العالم ايا كانت توجهات اهلها وانتماءاتها الفكريه ومعتقداتها . وتاليا فان الاسلام الذي تعلمناه على انه رساله للعالمين وللناس اجمعين قد يكون قد وصل الى العديدين من ديار غير المسلمين دون ان نحمله نحن ، كما انه قد يكون قد غاب واختفى من مجتمعاتنا كما نظن فيما هو كامن ،بل ومترسخ في داخل كل واحد فينا،حتى وان اظهرنا عكس ذلك في دعوتنا النظريه او ممارساتنا العملية .
ان ذلك لا يتأتى لاحد منا الا بالاعتراف بوجود الاخر وضرورة احترامه ومحاورته على قاعدة من المساواة ،وتكافؤ الفرص،حتى يتم اكتشاف كنهه وحقيقة ميله واتجاه البوصلة التي يسير عليها.
من هنا فان القول : اننا والغرب على طرفي نقيض يكون صحيحا اذا ما كان المقصود تلك القلة القليلة من نخب الغرب التي ترفض الاحتكام للعقل(النبي) واما الاكثرية ممن تعود يوميا في استنباطاتها وقراءاتها الى العقل بوصفه مرجعية مقبولة وتتخذ من العقل مفتاحا للتعامل مع الظاهرات الكونية فنحن واياها قد نكون على اتفاق في كثير من الامور والشؤون،بما فيها الشؤون الدينية اذا ما احسنت استخدام العقل ،واحسنا بدورنا استخدامه .وكما ورد في احد الكتب المرجعية الهامة للمسلمين : (( ما حكم به العقل حكم به الشرع والعكس صحيح )).
الامر الذي يجعلنا نؤمن بامكانية الوفاق مع من هم في عالم (الغرب)جغرافيا وحضاريا..شرط ان نلتزم بقواعد الحوار والتعددية وهو ايضا امر مسموح به،بل ممدوح شرعا ، وتتم الدعوة اليه باستمرار من خلال الايه القرانيه الخالدة: (قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله){ال عمران3/64}.
نعم وما (كتاب) اهل الغرب اليوم سوى العقل ، والعقل العلمي الذي يقترب يوما بعد يوم من حقائق السنن الكونية الربانية.
لقد جاءت الحداثة التي نعرفها في عالم الغرب اليوم في الواقع ،ابتداء بسبب قرار الغرب المسيحي باللجوء الى العقل للخروج من عضر الظلمات،فافرزت الجانب الخير والعلمي و(الاسلامي) من الحداثة،أي كل ما يتناسب والسنن الكونية والقوانين المرعية في سلم الصعود العلمي ، ويوم تخلى الغرب عن العقل ولجأ الى منهج التمرد عليه افرز خواء الروح،وانتج اسباب تدمير عقله وتدمير مدينته وحضارته.
ان مستقبل الحضارة الانسانية اليوم رهن بعودة المسلمين للاسهام في صناعة المدنية الانسانيه انطلاقا من قواعد الاعتراف بالاخر ومحاورته استنادا الى قانون((ما حكم به العقل حكم به الشرع والعكس صحيح)).ولا يكفي المسلمين ويغنيهم عن هذه المشاركة الفعاله والجسورة والشجاعة كونهم يمتلكون حضارة مجيدة في العصور الغابرة،لان ذلك يعني ويساوي عمل ذلك الرياضي او الفيزيائي الذي كلما عرضت عليه مساله رياضية معقدة اشار الى قانون نيوتن دليلا للحل فيها،فيما الامر يتطلب منه ترجمة علمية لذلك القانون،بل واكتشاف قوانين تفصيلية جديدة لمعالجة المسائل المستحدثة التي لا يمكن ان تحل جميعا بقانون واحد عام او بالقانون نفسه في كل الحالات والمصاديق.
ان اكتفاء البعض من ابناء امتنا او اهلنا ولا سيما النخب الواعيه والمثقفة من ابناء وطننا الاسلامي الكبير باقطاره المتنوعه والمختلفة والمليئه بالتجاعيد والتضاريس المحلية المعقدة والمتشابكة بشعار((الاسلام هو الحل)) يشبه تماما ذلك الفيزيائي او الرياضي المشار اليه انفا.
ان العالم اليوم بهوياته المركبة من جهة وتحدياته المشتركة من جهة اخرى،ولا سيما ما بات يعرف بتحديات العولمة ،تجعل من واجب المسلمين اكثر من أي وقت مضى ان يفتحوا ذراعيهم للاخر ايا كان ذلك الاخر،لا من اجل التوحد معه بالضرورة او الذوبان في حضارته ومدنيته الغالبة،بل من اجل البحث عن القواسم المشتركة وهي الكثيرة ولا سيما ان هذه(المدنية)الغالبة هي في جزء كبير منها صناعة انسانية مشتركة .ومثل هذا لا يحصل بغير الاعتراف بوجود الاخر والاقرار له بحقه في الدفاع عن وجهة نظره والاستماع اليه جيدا من دون ان تتخذ من دون الله اربابا لنا ، لاشرقيين ولا غربيين،ولكن بالتاكيد في اطار الترجمة الحية للقول المأثور لاحد علماء اهل الحديث والجماعه والذي يقول ما مضمونه: ((ان راينا صواب يحتمل الخطا،وراي غيرنا خطا يحتمل الصواب)).
ثم اخيرا فان مراجعه متأنية وعميقة لدعوة الباري تعالى لاهل الكتاب بقوله : (تعالوا الى كلمة سواء..) ما هي في الواقع الا دعوة للكلمة الجامعه وليس دعوة الانا كما يتصور البعض.دعوة للكلمة الوسط بين الانا والاخر،الا وهي الله سبحانه وتعالى بما يعني الحقيقة الخالصة والكمال المطلق الذي هو اكبر واعلى وانمى واكثر رقيا وسموا من كل اشكال الانا والاخر.
للاستاذ سيد محمد صادق الحسيني
من كتاب نحن والاخر-حوارات لقرن جديد-
لد.غريغوار مرشو ، والاستاذ سيد محمد صادق الحسيني
ان نكون مسلمين يعني فيما يعني اننا نسلم بما تفرضه علينا احكام السنن الكونيه المتحكمة بحركه العالم بعيدا عن رغباتنا،او ادراكنا،او اسقاطاتنا الذاتيه الخاصه بنا حول العالم.ومما تفرضه علينا السنن الكونيه التي لا محيص عنها هو كون هذا العالم مليئا بمن هو غيرنا ،ومن لم يسمع بنا ، ولم يتعرف علينا ولم نتعرف عليه نحن ايضا ،لكنه برغم ذلك قد يكون مثلنا ،ويتحدث عن الشئ نفسه الذي نتحدث عنه دون ان يدري هو،وايضا دون ان نعلم نحن بانه يتحدث الشئ نفسه الذي نتحدث عنه.
فكما العالم المادي(غير العقلي) او (غير العقلاني) متنوع ومتعدد الاشكال والصيغ والهيكليات،لكنه يؤدي وظيفة واحدة ، ويعبر عن حقيقه واحدة ،فان العالم البشري العقلي والعقلاني المتنوع والمتعدد في اشكاله وهيئاته يبدو انه في النهايه يلهج بلغه واحدة في النهايه وان تحدث بلغات متعددة .وفي هذا السياق ينقل احد كبار العلماء نكتة ذات دلالة خاصه في هذا الباب،مفادها ان ثلاثه فقراء من المسلمين ،فارسي ،وتركي ،وعربي،كانوا يجلسون على قارعه الطريق،فمر بهم رجل فتصدق عليهم بمبلغ من المال،فقال الفارسي:لا نشتري به الا (انكور)وقال التركي:لا،بل نشتري به (رستخيس)،وقال العربي:لا،بل نشتري به (العنب)،وتجادلوا كثيرا حتى كاد يصل جدالهم الى الصدام ،حتى مر بهم رجل يعرف اللغات الثلاثه فقال لهم:انكم انما تتكلمون عن شئ واحد!..
ان تجربه العالم المعاصر التي تكاد تقرب الشعوب والامم بعضها من بعض الى درجه التماثل والتطابق (ولا تدخل القلة القليله من ارباب المال والثروه والسلطان التابعين لحكومه (اليهود)الخفية التلمودية) تؤكد يوما بعد يوم ان الاسلام دينا ومنهجا وقاعدة عمل بات منتشرا في العالم سنه كونيه متحكمه في مسيرات الامم والشعوب سواء بطريقه البحث للوصول الى الحقيقه المطلقه ،او بطريقه الانجازات المترتبه على جهود ومساعي العلماء والباحثين والمفكرين ،او بطريقه العيش اليومي الذي تمارسه شعوب الارض المختلفه .
صحيح اننا قد لا نرضى او نقبل او نقر بالعديد من تصرفات وسلوكيات سكان العالم الاخر الذي نطلق عليه العالم الغربي،باعتبارها تصرفات ومسلكيات لم تنشأ عن تعاليم الاسلام وارشاداته التي نعرفها او نظن اننا الوحيدون الذين نعرفها،ولكن المتبحر بكثير من تلك التصرفات سرعان ما يجد فيها تصرفات اقرب ما تكون من دعوة الاسلام وندائه، وهو ما يجعلنا نقول كما قال المفكر والمصلح محمد عبده ، عندما زار بعض بلاد اوروبا في القرن التاسع عشر:(( رايت الاسلام موجود عندهم من دون مسلمين ،هذا فيما نرى ساحات بلادنا خالية في كثير من الاحيان من الاسلام المقدم الى الراي العام برغم تكدس المسلمين في ثناياها وزواياها ومساجدها وتكاياها)).
وبراينا المتواضع فان صدق التعامل الذي نراه غالبا لدى الطبقة العاديه من الناس في الغرب مجسدا دعوة الاسلام و(غش)التعامل الذي نراه احيانا لدى الطبقات الموغله في النهب باسم التجارة في الشرق مجسدا مخالفة صريحة لدعوات الاسلام والمسلمين انما تشكل سلوكين معبرين عن حقيقه واحدة،فالاول ياتي نزولا واستسلاما او تسليما لتحقيق الوعد الالهي،فيما الثاني تمردا وجحودا في مواجهة انقلاب اهل الدار والدعاة باسم الاسلام على قواعد الاسلام الحقيقية وسننه المفترضة.
من هنا فانني على اعتقاد يمضي قدما في الترسخ مع الايام بان اسلاما ما قد يطبق في مجتمع ما من مجتمعات الغرب لا يعرف اهله بانه الاسلام،ولا نعترف به،بانه الاسلام بسبب التعقيدات الطارئه على حياة البشر المعاصرة وتشابكات وصعوبات النسيج البشري المكون لكل مجتمع.كما ان سلوكيات بعض مجتمعاتنا التي غالبا ما(نكفرها) و(نفسقها) ظنا منا بانها قد خرجت عن الاسلام ليست في الواقع سوى علامه من علامات الخروج الاجباري لهذه المجتمعات على واقع ظالم ومجحف وهيمني يزعم رفع رايه الاسلام،في الوقت الذي هي فيه ابعد ما تكون عن الاسلام!
وتأسيسا على ما تقدم فانني اكاد اجزم بان الحل الامثل في فهم حقيقه الشعوب والامم يكمن في الاقرار سلفا بوجود الاخر ليس فقط داخل كل واحد فينا وداخل مجتمعاتنا ،بل وداخل كل وحدة اجتماعية في العالم ايا كانت توجهات اهلها وانتماءاتها الفكريه ومعتقداتها . وتاليا فان الاسلام الذي تعلمناه على انه رساله للعالمين وللناس اجمعين قد يكون قد وصل الى العديدين من ديار غير المسلمين دون ان نحمله نحن ، كما انه قد يكون قد غاب واختفى من مجتمعاتنا كما نظن فيما هو كامن ،بل ومترسخ في داخل كل واحد فينا،حتى وان اظهرنا عكس ذلك في دعوتنا النظريه او ممارساتنا العملية .
ان ذلك لا يتأتى لاحد منا الا بالاعتراف بوجود الاخر وضرورة احترامه ومحاورته على قاعدة من المساواة ،وتكافؤ الفرص،حتى يتم اكتشاف كنهه وحقيقة ميله واتجاه البوصلة التي يسير عليها.
من هنا فان القول : اننا والغرب على طرفي نقيض يكون صحيحا اذا ما كان المقصود تلك القلة القليلة من نخب الغرب التي ترفض الاحتكام للعقل(النبي) واما الاكثرية ممن تعود يوميا في استنباطاتها وقراءاتها الى العقل بوصفه مرجعية مقبولة وتتخذ من العقل مفتاحا للتعامل مع الظاهرات الكونية فنحن واياها قد نكون على اتفاق في كثير من الامور والشؤون،بما فيها الشؤون الدينية اذا ما احسنت استخدام العقل ،واحسنا بدورنا استخدامه .وكما ورد في احد الكتب المرجعية الهامة للمسلمين : (( ما حكم به العقل حكم به الشرع والعكس صحيح )).
الامر الذي يجعلنا نؤمن بامكانية الوفاق مع من هم في عالم (الغرب)جغرافيا وحضاريا..شرط ان نلتزم بقواعد الحوار والتعددية وهو ايضا امر مسموح به،بل ممدوح شرعا ، وتتم الدعوة اليه باستمرار من خلال الايه القرانيه الخالدة: (قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله){ال عمران3/64}.
نعم وما (كتاب) اهل الغرب اليوم سوى العقل ، والعقل العلمي الذي يقترب يوما بعد يوم من حقائق السنن الكونية الربانية.
لقد جاءت الحداثة التي نعرفها في عالم الغرب اليوم في الواقع ،ابتداء بسبب قرار الغرب المسيحي باللجوء الى العقل للخروج من عضر الظلمات،فافرزت الجانب الخير والعلمي و(الاسلامي) من الحداثة،أي كل ما يتناسب والسنن الكونية والقوانين المرعية في سلم الصعود العلمي ، ويوم تخلى الغرب عن العقل ولجأ الى منهج التمرد عليه افرز خواء الروح،وانتج اسباب تدمير عقله وتدمير مدينته وحضارته.
ان مستقبل الحضارة الانسانية اليوم رهن بعودة المسلمين للاسهام في صناعة المدنية الانسانيه انطلاقا من قواعد الاعتراف بالاخر ومحاورته استنادا الى قانون((ما حكم به العقل حكم به الشرع والعكس صحيح)).ولا يكفي المسلمين ويغنيهم عن هذه المشاركة الفعاله والجسورة والشجاعة كونهم يمتلكون حضارة مجيدة في العصور الغابرة،لان ذلك يعني ويساوي عمل ذلك الرياضي او الفيزيائي الذي كلما عرضت عليه مساله رياضية معقدة اشار الى قانون نيوتن دليلا للحل فيها،فيما الامر يتطلب منه ترجمة علمية لذلك القانون،بل واكتشاف قوانين تفصيلية جديدة لمعالجة المسائل المستحدثة التي لا يمكن ان تحل جميعا بقانون واحد عام او بالقانون نفسه في كل الحالات والمصاديق.
ان اكتفاء البعض من ابناء امتنا او اهلنا ولا سيما النخب الواعيه والمثقفة من ابناء وطننا الاسلامي الكبير باقطاره المتنوعه والمختلفة والمليئه بالتجاعيد والتضاريس المحلية المعقدة والمتشابكة بشعار((الاسلام هو الحل)) يشبه تماما ذلك الفيزيائي او الرياضي المشار اليه انفا.
ان العالم اليوم بهوياته المركبة من جهة وتحدياته المشتركة من جهة اخرى،ولا سيما ما بات يعرف بتحديات العولمة ،تجعل من واجب المسلمين اكثر من أي وقت مضى ان يفتحوا ذراعيهم للاخر ايا كان ذلك الاخر،لا من اجل التوحد معه بالضرورة او الذوبان في حضارته ومدنيته الغالبة،بل من اجل البحث عن القواسم المشتركة وهي الكثيرة ولا سيما ان هذه(المدنية)الغالبة هي في جزء كبير منها صناعة انسانية مشتركة .ومثل هذا لا يحصل بغير الاعتراف بوجود الاخر والاقرار له بحقه في الدفاع عن وجهة نظره والاستماع اليه جيدا من دون ان تتخذ من دون الله اربابا لنا ، لاشرقيين ولا غربيين،ولكن بالتاكيد في اطار الترجمة الحية للقول المأثور لاحد علماء اهل الحديث والجماعه والذي يقول ما مضمونه: ((ان راينا صواب يحتمل الخطا،وراي غيرنا خطا يحتمل الصواب)).
ثم اخيرا فان مراجعه متأنية وعميقة لدعوة الباري تعالى لاهل الكتاب بقوله : (تعالوا الى كلمة سواء..) ما هي في الواقع الا دعوة للكلمة الجامعه وليس دعوة الانا كما يتصور البعض.دعوة للكلمة الوسط بين الانا والاخر،الا وهي الله سبحانه وتعالى بما يعني الحقيقة الخالصة والكمال المطلق الذي هو اكبر واعلى وانمى واكثر رقيا وسموا من كل اشكال الانا والاخر.

